|
وحده همّ الأوطان بين
شباب المسرح
المصري ونص إماراتي
عندما يأتي البرابرة..
استلهام التاريخ بـ
"عودة هولاكو"
ماذا يحدث عندما يعود هولاكو لتتكرر التجربة الأكثر
مرارة ودموية في تاريخ حضارتنا العربية الإسلامية،
عندما اجتاح المغول بغداد حاضرة الخلافة العباسية،
ماذا يحدث عندما يأتي البرابرة؟ سؤال قديم مازال
صالحاً لوصف حالتنا. أما كيف جاؤوا هل من ضعفنا، أم من
فساد الحكم؟ وأسئلة عديدة طرحها العرض المسرحي “عودة
هولاكو” الذي قدمته فرقة “أمل المسرح” على مسرح ساقية
الصاوي بالزمالك، من إخراج علاء نصر، عن مسرحية تحمل
ذات العنوان لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد
القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
شهد العرض حضورا إماراتيا كبيرا، على رأسه سفير دولة
الإمارات في القاهرة أحمد علي الميل الزعابي، والملحق
الإعلامي في السفارة. ومن الشارقة حضر خصيصا لمشاهدته
مدير دائرة الثقافة والإعلام عبد الله العويس، والفنان
علي طالب مدير عام مسرح الشارقة الوطني، والفنان
المسرحي سيف غانم الحميري، والكاتب المسرحي أحمد أبو
رحيمة. كما شهد العرض حضورا كبيراً من المسرحيين
والمهتمين بالمسرح المصري، منهم الدكتور سمير سرحان
وأستاذة المسرح الناقدة د. نهاد صليحة، والمخرج فهمي
الخولي والمؤلف المسرحي سليم كتشنر، والناقدان احمد
عبد الرازق أبو العلا ومحمد زهدي.
“عودة هولاكو” واحد من ثلاثة نصوص مسرحية منشورة لصاحب
السمو حاكم الشارقة، له أيضاً “القضية” و”الواقع صورة
طبق الأصل”، إضافة إلى أربعة عشر مؤلفاً في التاريخ
السياسي لمنطقة الخليج العربي، مشكلا نموذجاً متفردا
في الوطن العربي للحاكم والسياسي المعني بالثقافة
والمحافظ على تألقه أكاديمياً وباحثاً، فهو حاصل على
دكتوراه الفلسفة في الجغرافيا السياسية للخليج من
جامعة دورهام البريطانية ،1991 ومحاضر لتاريخ الخليج
الحديث في جامعة الشارقة منذ عام ،1999 وأيضاً أستاذ
زائر بجامعة اكستير منذ عام ،1998 إضافة إلى عدد من
التكريمات والمناصب ودرجات الدكتواره الفخرية من
جامعات متنوعة.. منها الرئيس الفخري للجمعية المصرية
للدراسات التاريخية، وهو ما يعطي ثقلا أكبر لنصوصه
المسرحية، لكونها تقدم رؤية مؤرخ جمع بين ممارسة العمل
السياسي والدراسة الأكاديمية.
ما يميز مسرحية “عودة هولاكو” كونها عرضا يستلهم
التاريخ ولا يغرق فيه، يأخذ منه إشارات تحيلنا مباشرة
إلى واقعنا المعاصر ليستعيد مأساة بغداد مرتين على يد
المغول والأمريكان وما أشد أوجه الشبه، وضياع ومعاناة
شعبها في الحالتين أو كما يقول أحد أفراد الشعب في
العرض جملته التي لا يقول غيرها طوال العرض “ما أشبه
الليلة بالبارحة”.. فما الذي يدفع الكاتب للعودة الى
التاريخ؟ أسباب عديدة يقول د. سمير سرحان معلقاً على
العرض: “جاء إبحار صاحب السمو حاكم الشارقة في التاريخ
لتوجيه ظروف اللحظة التاريخية الراهنة، فباعتبار
الكاتب ضمير المجتمع وحارس مخزونه القيمي وتراثه
وكيانه الثقافي يدرك الأخطار المحدقة بالأمة ويتولى
مسؤولية التبصير والتحذير منها”.
ويضيف د. سرحان: المسرحية تمثل صرخة تحذير مدوية تنبعث
من الماضي لتعانق حاضرنا بكل ما فيه من محن وآلام،
وكأن الذكرى تحولت إلى سوط لاذع يجلدنا لنفيق من
غفوتنا ونتبين الأخطار المحيطة بنا.
وصلت الصرخة المسرحية التي شخصها عدد من شباب المسرح
أعضاء فرقة “أمل المسرح”، بينما لعب دور هولاكو الفنان
فكري سليم الذي قدم أداء لافتاً للشخصية بأسلوبه
الهادئ المغاير للمتوقع من شخصية هولاكو العنيفة والتي
تحفظ الذاكرة العربية أداء الفنان احمد ماهر الرائع
لها.. “فكري” حدثنا عن دوره قائلا “أديت الشخصية
بمفهوم يخضع لرغبتنا في التجريب، أردنا أن نقدم هولاكو
البربري الذي يظهر في أحد المشاهد كآكل للحوم البشر من
منظور سيكو، تاريخيا يمكن النظر الى شخصيته من أبعاد
كثيرة، أردنا التركيز على العنف الكامن في الشخصية،
دون الأداء المبالغ في إظهار البربرية، لأننا صرنا نرى
البربرية بأشكال متنوعة وتحت عباءات مختلفة عن الأفكار
التقليدية، لذلك أردته أن يصل هولاكو أياً كان الرداء
الذي يتخفى تحته، لذا يظهر في أحد المشاهد مدخنا
للسيجار”، مقابل شخصية هولاكو تظهر شخصيات عربية..
المستعصم الخليفة الفاسد الضعيف الذي يحمله العرض
الكثير من أسباب الهزيمة أمام المغول، قائد الجيش ابن
الدويدار الذي يحاول دفع الخليفة لزيادة الجيش
والعناية به لكنه لا يستمع له، والوزير ابن العلقمي
الذي يتخذه العرض رمزاً لفساد السلطة من جهة والتواطؤ
مع الغزاة من جهة أخرى ويأخذ من اسمه معنى العلقم الذي
يمرر طعم حياتنا على مدار التاريخ.
العرض حاول تقديم رؤية إخراجية جديدة بالتشخيص داخل
التشخيص من خلال مجموعة ممثلين يمارسون اللعبة
المسرحية.. يدخلون فيها ويخرجون منها ويربطونها
بالواقع الآن، استخدم المخرج خشبة المسرح ليقدم فيها
جانبين متناقضين ما بين كرسي حكم الخليفة العباسي
المنعم بالحرير والألوان الزاهية، مقابل مجلس المغول
الخشن والذي اتخذ له ديكورا من الخيش ملونا بخطوط من
اللونين الأحمر والأزرق..! كما فصل الخشبة إلى مستويين
بستارة سوداء ليجعل في العمق مدخلا ذا طابع خشن.
قال لنا الفنان فكري سليم المدير الفني للعرض والمسؤول
عن السينوغرافيا إنه كان من المفترض أن يعطى البعد
الكهفي للعالم الذي جاء منه المغول، لكن العرض شابته
الكثير من مشاكل وأخطاء عروض الهواة.. منها عدم إحساس
الجمهور بالمعاني التي أرادت السينوغرافيا توصيلها
بسبب عيوب الإضاءة وكذلك الصوت، خاصة في عرض به عدد من
الأغاني المسجلة التي يفترض أنها تحمل رسالة العرض،
رغم هذا نالت أغنيتهم “بيبيعوا الأوطان” تصفيقاً
وحماساً كبيرين من الجمهور.
ولإيضاح ظروف تنفيذ العرض رجعنا الى المخرج علاء نصر
الذي قال لنا “العرض من إنتاج الفرقة بمساهمات
أعضائها، مما يعني صعوبة الحصول على مكان للتدريبات
كما أن العرض يمثل أول تقديم له للجمهور دون بروفة
جنرال، أيضا لم يتوافر للفرقة التدريب والإعداد
الكافيان على خشبة مسرح ساقية الصاوي، لكون العرض يقدم
عليها لليلة واحدة وازدحام برامج المسرح”.. وهو ما ظهر
أثرة في بعض الهنات الصغيرة كالتخبط في الكواليس التي
لم يعتد عليها الممثلون بما يكفي.
وفي عودة لأصحاب النص علق الفنان “علي طالب” مدير مسرح
الشارقة على العرض بقوله “العرض قدم النص برؤية
إخراجية جديدة وهو مختلف عن الرؤية التي قدمه بها
سابقا المخرج العراقي المخضرم قاسم محمد التي اعتمدت
رؤية بأسلوب أكثر واقعية له ولكن ما يستحق التحية
كثيرا في هذه التجربة هو تصدي فنانين شباب يقدمون
أعمالهم في ظروف صعبة لقضايا أمتهم ومحاولة التجريب
والتجديد في أسلوب الإخراج”.
انتصار محمود - القاهرة -
جريدة الخليج - 27/08/2005م
الصفحة الرئيسية
|