|
حمار نوفاليس يخرج عن
النص
الصلامة" حنين مثير
للنقع
ضمن عروض “الأيام” قدم مسرح عجمان الوطني بالاشتراك مع
جمعية حتا للثقافة والفنون مساء أول أمس في قصر
الثقافة عرض “الصلامة”، وهي فرجة مسرحية تثير الكثير
من الأسئلة بصدد الجدوى من العودة المتكررة الى سطح
الذاكرة التراثية دون محاولة الغوص في الأعماق المؤسسة
للفعل التراثي المحلي، ولا في سيكولوجيته التي وسمت
انسان تلك المرحلة، زيادة على الكلاسيكية التي تطبع
عادة الصياغة الدرامية لأعمال من هذا القبيل، في
استسهال شبه خطير يؤشر إلى النظرة التبسيطية في قراءة
الماضي.
ليس من قبيل المزايدة القول ان “الصلامة “ لم تقدم
الجديد على مستوى البناء المسرحي في أبعاده الجمالية،
واكتفت بملاحقة الفرجة، وتمطيط المشاهد الساخرة في
محاولة لتحقيق التواصل اللحظي مع الجمهور، من خلال
التمسك دون هوادة ب “لعبة الإضحاك”، في غياب الانتباه
الى الإنهاك الذي تسببه الزوائد على أداء الممثل
والإيقاع البطيء الذي يغرق العرض في بركة من الملل كان
بالإمكان التخلص منها، بمعالجات أشد ذكاء من قبل
المخرج علي جمال، وبالأخص وهو العليم بحنايا نصه الذي
كتبه بالاشتراك مع أحمد الماجد.
شجاعة الحذف لا يمكن أن يقترفها الا المخرج المسرحي
الذي يشيد لعبته المسرحية ليس على العناصر الخطابية
وإنما على أعمدة أخرى أهمها تحديدا الممثل باعتباره
المهماز الأساسي وقطب العملية المسرحية.
لا تمنح “الصلامة” الإمكانية الواسعة للتوهان أو
التأويل، انها تقدم “حدوتة” دارجة قد تقع في أي بلد
عربي وفي أي مجتمع خليجي، قصة صراع العائلات المثقلة
بالتقاليد والأحقاد والدم، والقبائل المتناحرة
المنقسمة على نفسها، لكن هذه القصة لم يعد لها وجود
الآن في الحياة المعاصرة، لقد تطور الصراع بين الخير
والشر وبين السيد والعبد وبين المالك والمملوك الى صيغ
جديدة أكثر دراماتيكية وأشد تعقيدا على التخيل نفسه،
لنلاحظ الحروب التي تقع الآن في الرقعة العربية أو
المناطق الملتهبة من العالم، من هو السيد الآن ومن هو
العبد، ومن يملك القدرة على “تدويل” لعبة الخير ولعبة
الشر؟
ولعل اللحظة المفارقة في العرض المسرحي، هي المشهد
الذي تم فيه ادخال حمار من “لحم ودم” الى خشبة المسرح،
حمار نوفاليس، أو الحمار الذهبي الحكيم، الذي يرى كل
شيء، والذي برغم رمزيته الساخرة في الذاكرة الشعبية
العربية فإنه يكتسي ابعادا أخرى في الثقافات والحضارات
الأخرى وبالأخص في الثقافات القديمة التي كانت تنظر
اليه بنوع من التبجيل والاحترام .
هذا المشهد والمشاهد التي تلت ذلك انساقت وراء الإيهام
بالحقيقة دون أن تسعى لتشييدها، وبرغم السذاجة التي
وسمت استغلال هذا الكائن في البناء التراجيكوميدي
العام للنص، فإن “السيد الحمار” ابان عن درجة كبيرة من
الوعي المسرحي، حين أقدم على ارتكاب شجاعة الخروج عن
النص بتلك الركلات غير المتوقعة من المؤلف ولا من
المخرج.
لم تكن الحاجة بطبيعة الحال تحتم استدعاء حمار “حقيقي”
الى الخشبة، اذ تكفي الحمير المطلوقة على عواهنها في
حياتنا اليومية، ويكفي هذا السخف الذي يعم المشهد
العام من أقصاه الى أقصاه.
وإن كنا نوجه هذه الملاحظات الى عرض “الصلامة” فإن ذلك
لا يلغي الأداء الجيد للممثلين الشباب الذين أبانوا عن
وقوف يتمثل الخط الدرامي للعرض المسرحي، فيما قتلت بعض
اللحظات المشهدية المشرقة، الإصرار المبالغ فيه من قبل
المخرج لاستنفاد كل الطاقة التي يختزلونها، وتبدى ذلك
جليا في الإعياء الذي لحق جمال السميطي (درويش) وسعيد
عبيد (جابر)، من خلال استهلاكهما حتى النخاع بالحوارات
المسهبة وبالحركة الزائدة على الحاجة، في حين كان يكفي
الالتجاء الى مبدأ اقتصاد الطاقة والحفاظ على حيوية
العرض بتشذيبه من المبالغات التي لم تخدمه مطلقا، هذا
اذا احتسبنا ميل “الصلامة” الى قول الحقيقة وليس الى
الترميز.
“الصلامة” ايضا هي عرض للبوح وللمشاعر الإنسانية
وللجمال أيضا، ولعل أبهر مشهد فيها هو التمفصل الشعري
بين أحمد ناصر (عبيد) وبدور التي لعبت دور نوف، كان من
الممكن استثماره كفتحات تهوية في النص بين الحين
والآخر، بحيث يتحول العرض الى قصة حب واشواق، وبحث في
المشاعر الإنسانية
واستبطان للمسكوت عنه وتفعيل للشخصيات كي تتحول من
السلب الى الإيجاب.
ولكن ليس بالإمكان ابداع أكثر مما كان،وإن كان من
الإنصاف التنويه بالإمكانات التي يختزلها هؤلاء
الممثلون الشباب دون استثناء، وهم على التوالي موسى
البقيش في دور شاهين الذي كان الشر يتطاير من عينيه
والمكر ينبع من كل حركة له وجمال السميطي في دور
درويش، الماجن اللذيد وسعيد عبيد في دور جابر الذي
نخاف عليه السقوط في التكرار والتنميط وحمد جاسم في
دور بوتفك وأحمد ناصر العاشق الموله في دور علي
والفنانة بدور في دور نوف والتي تملك كل مقومات
الممثلة الجيدة وعمر التميمي في دور عقاب وأحمد
العامري في دور ضاعن وعلي جمال الذي لم يستطع مقاومة
اغراء مشاركة ممثليه في الوقوف على الخشبة ليمنحهم
الاطمئنان الكافي وأحمد محمد وعبدالله بن لندن وعبد
الله الشحي والماكياج المدروس للماكيور فتيحة سلمي
والاقتراح المقبول لمنفذ الإضاءة ومصممها محمد جمال.
وكل الأمل أن نرى هذا العرض مرة ثانية بالتصويبات
والاقتراحات التي قدمها المهتمون والزملاء المسرحيون
أثناء جلسة النقاش التي دارت بعد العرض، والتي تفيد
دون شك في تلمس المعايب الموجودة هنا وهناك في عرض هو
في الأول والنهاية مجرد اقتراح لا غير.
جريدة الخليج - حكيم
عنكر - 23/03/2006م
الصفحة الرئيسية
|