|
ثلاثة أعمال تحيي
الإنتاج المحلي بعد انقطاع
الدراما الإماراتية..
صحوة موسمية أم نهضة
مفتعلة؟
مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تتحول استديوهات
الدراما في العالم العربي الى خلايا نحل دائبة الحركة
لتقدم للمشاهد خلال هذا الشهر أفضل ما في جعبتها من
أعمال. ولكن في الإمارات فالوضع مختلف فأغلب الفضائيات
المحلية تفضل الانتاج الخارجي لنجوم الدراما العربية
الذين يحظون بجماهيرية عالية. وبالتالي أعلى نسب
مشاهدة. وذلك على حساب الدراما المحلية. ولعل ما حصل
العام الماضي كان الذروة، حيث غابت الدراما المحلية
كلياً عن الشاشة. بينما نشهد هذا العام حركة ناشطة
وعودة المحطات الى الانتاج المحلي، حيث يتولى كل من
تلفزيون أبوظبي ودبي والشارقة انتاج ثلاثة مسلسلات
تعرض خلال شهر رمضان المقبل. وبصرف النظر عن طريقة
انتاجها وقيمتها الفنية فإنها تعد طفرة كمية في
الأعمال المحلية.
فما أسباب هذا النشاط؟ وهل تغير المناخ هذا العام فمهد
الطريق أمام الدراما للعودة الى الظهور؟ وأين اختفت
المشكلات التي كانت تحول دون هذا الكم من الأعمال؟ وهل
هناك خطة مرسومة للاستمرار بهذا الطريق أم انها “طفرة”
مؤقتة خاضعة للظروف و”المزاجية” اذا صح التعبير؟
تساؤلات نطرحها في هذا التحقيق على القائمين على هذه
الصناعة التي من المفترض ان تعبر عن ذاتية المجتمع
وهويته وتؤرخ لماضيه وحاضره وربما مستقبله.
يقول الفنان أحمد الأنصاري: المتاح لم يتغير كثيراً
وان كنت سعيداً بهذه الأعمال التي ستعرض على شاشاتنا
في رمضان، ولكن الواضح انها صحوات تأتي بمبادرات شخصية
من البعض من دون تخطيط طويل الأمد ليس على مستوى جهات
الانتاج فقط وانما على مستوى الدولة. وبغياب
استراتيجية واضحة لتطوير الدراما لن نتقدم كثيراً،
خاصة في ظل جو من انعدام الثقة بين محطاتنا والممثل
الاماراتي، وهو موقف تاريخي بين الطرفين ولكل أسبابه
التي يجب التعامل معها في محاولة لانقاذ الدراما
الاماراتية في ظل بحث الجمهور عن نجومه المحليين على
شاشته، وهذا من حقه. ويؤكد الانصاري أن دولاً مجاورة
حققت طفرات حقيقية في الدراما ولديها تجارب واضحة يجب
الاستفادة من ايجابياتها اذا كانت لدينا النية لذلك،
خاصة واننا نملك كافة الامكانات المادية والبشرية التي
تستطيع أن تنافس على الساحتين الخليجية والعربية.
الأمر يستلزم قناعة المسؤولين وايمانهم بأهمية هذه
الصناعة في الحفاظ على الهوية والتقاليد والتراث الذي
تتميز به الامارات في ظل طمس الهويات مع غزو العديد
من الثقافات لمجتمعاتنا.
ويضيف الأنصاري ان الفنان الاماراتي يلعب دوراً كبيراً
في تفعيل أدواته من أجل تطوير نفسه ليجد مكاناً وسط
النجوم الخليجيين والعرب الكثر، وقد سبقوه بالفعل من
حيث الخبرة والنجومية. فالمجال لا يصلح للهواة وأنصاف
المحترفين. وبالنسبة لي فلدي عملان سيعرضان في رمضان،
الأول مع تلفزيون دبي وينتجه بالتعاون مع أحمد الجسمي
بعنوان “الدريشة” في تجربة أظنها رائدة وأتمنى تكرارها
على المدى الطويل سواء مع الجسمي أو غيره من نجوم
الامارات. فربما يكون هذا طوق النجاة للدراما والممثل
المحلي على السواء، خصوصاً وان الانتاج الخاص لديه من
المرونة والحركة ما قد يفتقده انتاج المحطات
التلفزيونية. خاصة اذا كان المنتج من الوسط الفني. أما
العمل الثاني فينتجه تلفزيون الشارقة بعنوان “أمواج
هادئة” وتقوم ببطولته مجموعة من الشباب الواعدين الذين
أتمنى لهم مناخاً أفضل من الذي نعيشه، وهي مبادرة من
تلفزيون الشارقة لتبني المواهب الجديدة.
أما المخرج حسن أبو شعيرة فيرى ان الدراما بخير ولا
داعي “لجلد الذات” بقوة، وهذا لا ينفي وجود سلبيات
تعاني منها أعمالنا المحلية سواء من جهة الانتاج أو
حتى عند الفنانين أنفسهم. ولعل حجر الزاوية يكمن في
ايمان المسؤولين بالدولة بأهمية هذه الصناعة في صياغة
تنمية بشرية حقيقية، أو على الأقل المساعدة في وجودها.
وفي هذه الحالة يمكن تفعيل كل أطراف العمل سواء من
الناحية الابداعية أو الانتاجية.
ويعتقد أبوشعيرة أنها مغامرة محسوبة ولابد منها في هذا
التوقيت بعد ان حققت دول أخرى قفزة نوعية في هذا
الاتجاه رغم كونها أقل من الامارات في امكاناتها
البشرية والمادية.
ويضيف المخرج حسن أبو شعيرة انه لابد من وجود قطاع خاص
قوي وفاعل ولابد من دعمه وتشجيعه لأن القنوات المحلية
لديها الكثير من المسؤوليات الأخرى التي تعد الدراما
جزءاً منها بينما المنتج الخاص مسؤول عن الدراما فقط.
وأحمد الجسمي بدأ هذا الطريق الذي أتمنى له الاستمرار
فيه. ويؤكد أبو شعيرة ان التلفزيونات المحلية تجد
الانتاج الخارجي مربحاً ومضموناً وهو أمر صائب ولكن
ادراج عدد من نجوم الامارات ضمن هذه الأعمال ربما يحقق
لهم بعض الانتشار الخارجي والخبرة أيضا مما يساعد في
الاعتماد عليهم في الأعمال المحلية وفي تطويرها.
ومن ناحية أخرى، يرى أبو شعيرة أنه من الضروري التعامل
مع موضوعات آنية تلامس
المتلقي ثقافياً
واجتماعياً وسياسياً.
ويضيف: كمراقب للدراما في تلفزيون الشارقة أحرص على
التركيز على الأعمال المحلية وأشجع الوجوه الجديدة
لدخول هذا المجال لاثرائه وتجديد دمائه. ويعترف بأنه
لم يسمع عن الثقة المفقودة بين التلفزيون والنجوم
المحليين، بل على العكس فتلفزيون الشارقة يقدرهم
ويتعاون معهم ما ان تتاح الفرصة لذلك، وقد أنتج خلال
السنوات الخمس الماضية أكثر من عشرة أعمال درامية
اعتمد فيها على هؤلاء النجوم. ويتمنى أبو شعيرة ان
تكون هذه الحالة التي نعيشها الآن بداية الطريق الى
الاستمرارية بعيداً عن موسمية رمضان.
أما الكاتب جمال سالم المسؤول عن الدراما في تلفزيون
أبوظبي، فيرى ان كثرة الأعمال الدرامية تعد ظاهرة صحية
ومفيدة، ودخول المنتج الخاص في هذا الحقل هي بداية
مشجعة وانها في حاجة الى مزيد من الدعم والتشجيع
للاستمرارية.
ويؤكد سالم ترحيبه بنجوم الخليج في الأعمال المحلية
“اذا كان ذلك يثري انتاجنا ويتيح له فرصة الانتشار،
كما ان التفاعل بين المحلية والاقليمية هدف مهم يجب أن
تضعه موضوعاتنا في الاعتبار. وهي فرصة حقيقية أن تعرض
ثلاثة أعمال محلية كبيرة في رمضان لنفتح شهية الانتاج
الخاص للاستمرار”.
وعن رأي تلفزيون دبي في موسمية الدراما المحلية وضعف
انتاجها، يؤكد عبدالله العشرة مدير الانتاج
بالتلفزيون، انه يحاول دائماً التعاطي مع الدراما
المحلية ونجومها في اطار خليجي، لأن اعطاءها هذا البعد
من خلال الأبطال والقصة يحقق نسبة مشاهدة كبيرة، بينما
الاغراق في المحلي يحدد شريحة الجمهور المتابع ولا
يهتم بها المشاهدون من خارج الدولة وبالتالي يصعب
تسويقها.
وعن الثقة المفقودة بين المحطات التلفزيونية والنجوم
المحليين يؤكد ان “الحسابات دائماً هي صاحبة الكلمة
الأخيرة وليست الثقة، فلكل عمل معادلات النجاح
والمشاهدة والتوزيع والقيمة الفنية وهي مؤشرات اذا
جاءت في مصلحة الدراما المحلية تصبح استمراريتها
قائمة، لكن هناك كثيراً من الظواهر السلبية لدى
نجومنا، منها اعتماد البعض على المحاباة و”الشللية”
على حساب العمل الفني، كذلك مغالات البعض في الأجور كي
يكونوا على قدم المساواة مع النجوم العرب الذين حققوا
الانتشار جماهيرياً ونعتمد عليهم في تسويق الدراما
التي ننتجها، وفي هذا تعجل واضح من وجهة نظري،
فالبداية لا تعني القمة، والعمل المحلي الضعيف ليس في
مصلحة الدراما ولا القائمين عليها، حتى وان حقق “ثناء
أدبياً” على مستوى النقد المحلي.
ويضع العشرة “روشتة” لاستمرارية الدراما طوال العام،
يكون أساسها الدعم الرسمي والجماهيري وتشجيع القطاع
الخاص عبر المبادرة ولعب دور مهم في الانتاج، وان
تتطور القصة بحيث لا تغفل البعد الخليجي وان تزول
حساسية مشاركة نجوم خليجيين في أعمالنا المحلية، كما
استطاع نجوم من الامارات تحقيق نجاح خلال مشاركتهم في
أعمال تنتجها دول الخليج الأخرى.
ويشيد العشرة بتجربة دبي مع أحمد الجسمي كمنتج خاص
لمسلسل “الدريشة” خصوصاً وان الجسمي تعامل مع التجربة
بجدية وذكاء وحشد لها كل امكانيات النجاح، فهو يراهن
على الاستمرارية حتى بعد رمضان.
ويعترف مدير الانتاج بتلفزيون دبي بأن الدراما المحلية
مازالت في البداية وان الاحتراف الحقيقي غائب عنها،
لذا فهي في حاجة ماسة الى تخطيط سليم بين كل اطراف هذه
الصناعة آخذين في الاعتبار تجارب الآخرين.
ويتساءل عن دور أكثر من 300 شركة انتاج فني بالدولة في
عملية الانتاج، ليجيب “بأن الدراما دائماً خارج
حساباتها لأنها لا تحقق أرباحاً ضخمة في حين يقوم
التلفزيون بإنتاج مسلسلات خليجية ومحلية داخل الدولة
وخارجها يشارك فيها العديد من نجوم الامارات”.
أما علي السامرائي مدير الانتاج بتلفزيون أبوظبي
فيفاجئنا بقوله ان المسؤولية تقع بالأساس على عاتق
ادارات الفضائيات التي تكرس امكانياتها المادية
للدراما في شهر رمضان فقط، فحين تذهب هذه المخصصات الى
البرامج المنوعة وغيرها بقية العام وبالتالي يتعطل
الانتاج الدرامي لعدم وجود ميزانيات له وهو ما يشار
اليه بموسمية الدراما المحلية.
وأعتقد ان هذا الأمر في طريقه للتغير في المرحلة
المقبلة مع مراجعة معظم القنوات حساباتها وما نحتاج
اليه.
ويؤكد السامرائي التقاء القائمين على الدراما
الاماراتية على كلمة من أجل نهضتها وحمايتها منوهاً
الى أن غياب التخطيط المستقبلي ربما يفسد أي تطور
ويجعلنا دائماً عند نقطة البداية. ويعلق على تجارب
الدول الخليجية الأخرى والاستعانة بخبرات عربية لوضع
استراتيجيات طويلة الأمد بأنها “حققت نجاحاً ملحوظاً
كان لبعض نجومنا المحليين نصيب منه. هناك دور يجب أن
يتاح للمنتج الخاص مع متابعة من مسؤولي الفضائيات
للمستوى الفني للأعمال التي يمكن أن يقدمها، وأتساءل
في الوقت نفسه عن أسباب غياب حماية هذه الصناعة التي
علينا الاعتراف بأنها تأخرت كثيراً عن انطلاقة خليجية
يستحقها الفن الاماراتي. ويحث الجميع على الابتعاد عن
الذاتية ومهاجمة الآخرين. حتى يتسنى للكل تقديم أعمال
جيدة تليق بسمعة الدولة ومكانتها “مع الاعتراف بأننا
مازلنا في البدايات”.
وعن رأيه بدور النجوم المحليين في أزمة الدراما
وموسميتها يقول الفنان عبدالله صالح: ان الفنان هو أحد
عناصر الانتاج وليس العنصر الوحيد وهو جاهز دائماً لأي
نداء، ولكن الأمر مرهون بالانتاج فاذا توقف غاب معه
الفنان. وهنا يأتي دور المحطات التلفزيونية التي تنظر
الى الفنان بشيء من عدم الثقة بل وتأتي بزملاء آخرين
من دول خليجية أو من مصر ليحتلوا مكانه في حين إن
الفنان الاماراتي يقف على قدم المساواة مع
أقرانه العرب وله الحق بالتميز عن الآخرين نسبياً في
انتاج محطاته المحلية، خاصة في ظل غياب الانتاج الخاص.
اللهم باستثناء تجربة أحمد الجسمي التي أتمنى لها
النجاح لأنها في مصلحة الجميع.
ولا شك أن للدولة دوراً مهماً عليها ممارسته لرعاية
الدراما المحلية التي تعبر عن مجتمعاتنا بتراثها
وتاريخها.
ويؤكد صالح على نجاح الفنان الاماراتي وتفوقه في
المهرجانات العربية والمحلية في المسرح وهذا واقع يراه
الجميع فكيف به في آخر القائمة عندما تكون هناك دراما
تلفزيونية.
ويضيف صالح: هذا التوقيت يعتبر فرصة للتلاقي والمصارحة
والبحث عن خطة للنهوض بالدراما المحلية في اطار خليجي،
فلا مانع على الاطلاق من مشاركة نجوم الخليج في
انتاجنا لأنهم اضافة حقيقية والفنان الاماراتي يشاركهم
أيضا في انتاج محطاتهم بل ويحقق جماهيرية جيدة هناك.
ويعبر عن رغبته في ايجاد منظومة ينضم إليها الجميع تضع
كل مناخ مكانه، فبدونها سنظل أسرى التجارب الفردية
والاجتهادات التي غالباً ما تصطدم بمعوقات كثيرة.
يبدأ المخرج والممثل حسين ابراهيم الكلام بقوله: ان
الدراما المحلية لديها حالة مرضية مزمنة وتدخلها بعض
المحطات غرفة الانعاش في رمضان. وهي حالة جعلت الفنان
الاماراتي ينتقل للعمل في دول مجلس التعاون حتى يحافظ
على وجوده وحتى لا ينساه الناس.
فعملي في الكويت طوال الفترة الماضية كفل لي
الاستمرارية علماً بأنني غائب عن الدراما الاماراتية
منذ أكثر من 10 سنوات لأن الأعمال قليلة أو نادرة
وبالتالي الفرصة للممثل أيضا ضعيفة. لذا لابد من
الدعم والتشجيع من الدولة وكذلك الخروج بموضوعات
جديدة تناسب التنوع القائم حالياً في الامارات، لأن
جمهوري ليس من الاماراتيين فقط وانما هو المجتمع بصفة
عامة. فإذا لم يجد ما يلبي رغباته واهتماماته فسوف
ينصرف عن العمل برمته.
ويتجه الحديث عن الانتاج الخاص ودوره في النهوض بهذه
الصناعة الى الفنان والمنتج أحمد الجسمي الذي يرى ان
الفعل أهم كثيراً من الكلام وتبادل الاتهامات وهو يرصد
تجربته الحالية مع تلفزيون دبي في انتاج “الدريشة”
ويقول: “ان عوامل النجاح واضحة لنا جميعاً وكذلك
المعوقات لكن لابد من بداية واعتقد أني “اقتحمت” هذا
المجال لمصلحة زملائي الفنانين وحماية الدراما
المحلية، وليست العملية سهلة وانما هي في حاجة الى
مزيد من الجهد والمثابرة وبعض المغامرة لنقدم عملاً
جيداً. وأعتقد ان نجاح “الدريشة” سيحسب لمصلحة
الانتاج المحلي ويشجع عدداً كبيراً من الوسط الفني على
الاقبال على تكرار التجربة بعيداً عن التشكك والخوف من
الخسارة”.
ويرى الجسمي ان الدراما المحلية لا يمكن فصلها عن
اطارها الخليجي فهي متفاعلة معه ومؤثرة فيه ولنا نجوم
يعملون في الكويت وقطر والبحرين.. وفي المقابل نرحب
بنجومهم في أعمالنا فهذا يزيد أعمالنا زخماً وقيمة لدى
المشاهد الخليجي الذي هو هدفنا جميعا”.
وعن تجربته مع تلفزيون دبي يقول الجسمي انها “مبادرة
مشكورة من قبل المسؤولين ويجب أن تحذو حذوها بقية
المحطات المحلية”. ويعبر عن سعادته بوجود ثلاثة أعمال
محلية هذا العام تتنافس بشرف وتساند بعضها في
استمرارية الممثل المحلي على شاشته أطول فترة حتى لا
ينساه الجمهور. ويرى أن الدراما المحلية تخطت نقطة
البداية والمستقبل يحمل لها الكثير من النجاحات.
جريدة
الخليج - فضائيات - 10/8/2005
الصفحة الرئيسية
|