|
تأسيساً لأفق
جديد
أية بنية تحتية أعددنا
لمسرح الطفل؟
لم
يعد خافياً على أحد ما تقدمه دولة الامارات العربية
المتحدة من اجل الحضارة الحقيقية في مجالات الحياة
كلها، ولم يعد خافياً على أحد أهمية وضخامة المشروع
الثقافي في الامارات عامة وفي الشارقة خصوصاً، بعد أن
غدا هذا المشروع يؤتي أكله في اتجاهات عديدة، وصار
ينعكس ايجاباً على الفعل العام والأنشطة المتنوعة،
التي تصب في أطر ومحاور الثقافة بشكل أو بآخر، وهذه
ميزة سوف نجني منها الكثير في السنوات القادمة ما دمنا
بدأنا الخطوة الأولى وتلتها خطوات وخطوات.
لقد كانت آخر المشاريع الثقافية متمثلة في التوجيهات
السامية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد
القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لإقامة مهرجان
لمسرح الطفل، وهو مشروع يمتلك اهميته الكبيرة، ويعود
بفوائد كبيرة على جيل المستقبل وعلى المجتمع بشكل عام،
في ظل التجاذبات الكثيرة والمغريات الهائلة التي تعمل
على تسطيح فكر الطفل وتضعف شخصيته، وفي ظل وقوعه تحت
نير مخترعات لم توظف لمصلحته، وتشوهات ثقافية لا تعد
ولا تحصى.
ان مثل هذا المهرجان يحتاج إلى مجموعة بنى تحتية
وآليات تخدم فاعليته، وتساعد على تجسيد نجاحه النوعي
لا الكمي فقط، كما يحتاج من القائمين عليه توفير
مجموعة نصوص مسرحية جيدة، حيث ان النص المسرحي المطبوع
الموجه للطفل في الامارات يكاد يكون نادراً، كما ينبغي
العمل على إقامة ورشات ومختبرات غايتها تعميق المعرفة
لدى الكتاب والممثلين والمخرجين والفنيين الذين يعملون
في مجال مسرح الطفل، إضافة إلى توفير المراجع
التنظيرية التي تتعلق بمسرح الطفل لتلمس أبعاده وإظهار
سماته الحقيقية، بحيث يعود كل ذلك على الطفل في
الامارات بما يسهم في بناء شخصيته وإثراء لغته وخياله
وإغناء بصره وبصيرته، لأن مسرح الطفل خصوصاً يحتاج إلى
برامج تنظيمية وخبرات وامكانات تتكاتف جميعها من أجل
ان تؤصل بجانب الجهود المبذولة في المهرجان لهذا
المسرح ومن ثم تحقيق اهدافه المرجوة.
يقول الكاتب المؤرخ مارك تويني: “إن مسرح الطفل من
أعظم الابتكارات الانسانية في القرن العشرين، إنه
استاذ للأخلاقيات والمثل العليا، لأن دوره لا يقتصر
على التلقين عن طريق المدرسة والكتب، بل بالحركة التي
تبعث الحماس وتخلقه، وتصل إلى أفئدة الاطفال وعقولهم”.
إن الاهتمام بالابداع والنتاج الفكري في مختلف ميادين
الثقافة والأدب والفن في الإمارات، يجسد محاولة القيام
بدور حضاري انساني متطور، يواكب فكرة تأسيس كيان ثقافي
مبدع في الدولة، واستجابة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ
الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم
الشارقة في تلبية متطلبات الواقع الثقافي والابداعي،
يصبح مهرجان مسرح الطفل الذي سينطلق في دورته الأولى
أواخر هذا العام نتيجة طبيعية للاهتمام ببناء فضاءات
تزيد من التفاعل مع الحياة بشكل عام، وتجسد تجربة
القيم والسلوك والأفكار.
إن طفل اليوم له آماله وطموحاته التي تختلف عما كان
لدى طفل الأمس، الذي كان ينام على حكايات الجدات
وحواديت الأمهات، ويستيقظ على حلم بأن يكون الشاطر حسن
أو ست الحسن. طفل اليوم بات يتعامل منذ نعومة أظفاره
مع تقنيات العصر والتكنولوجيا المتطورة، التي جعلت
التلفزيون بديلاً من البنورة المسحورة، والطائرة عوضاً
من بساط الريح، فطفل اليوم لن يتعامل مع المسرح بقلبه
فقط، بل بعقله ايضاً، حيث ان مسرح الطفل في العالم
أجمع، يحظى بأهمية خاصة لكونه حاضنة أساسية لتكوين
البذرة الأولى في بناء شخصية الطفل، وتكوين الذائقة
الجمالية لديه، حيث ان الطفل الذي يرتبط بالمسرح
مبكراً ويتلمس من خلاله طريق الوعي والمعرفة هو انسان
الغد الذي يجيد التعامل مع زمن وعالم متحول.
إلا ان ذلك يتطلب تكاتف الجهود بين المؤسسات الثقافية
المعنية والعاملين في مجال المسرح، لتقديم الدعم لكل
خطوة تحاول أن تتقدم نحو عالم الطفل وتوسيع ادراكه
واكسابه الخبرات المعرفية، وتطوير ملكاته العقلية
والحسية، مع ضرورة تفهم أن كل مرحلة عمرية عند الطفل
لها سماتها وصفاتها التي تستوجب الدراسة والتخصص، حتى
لا يكون المسرح المقدم له فوق مستواه أو أدنى من مستوى
إدراكه ووعيه.
لقد انطلقت الشرارة الأولى لبناء مسرح الطفل في
الإمارات منذ الدورة الحادية عشرة لمهرجان ايام
الشارقة المسرحية حيث تبنى “المجال الفكري” المصاحب
للأيام في توصياته ضرورة تأسيس مسرح للطفل في
الإمارات، من منطلق ان للطفولة حقها في مسرح يواجه
الغثاثة وألوان المسرح التجاري والتجارب التي التهمت
خارطة الثقافة عربياً وخليجياً، وأيضاً للفرار من شراك
الانتاج الاستهلاكي الذي أصبح يحفز على تجسيد القيم
السلبية عند الطفل.
ومسرح الطفل يلعب دوراً مهماً في حركة وتطوير قدرات
الطفل على التعبير ورفع مستوى ملكة التذوق الفني لديه،
وليس مسرح الطفل ما يكتب له، أو ما يقرؤه فحسب، بل هو
ما يعرض على الخشبة ايضاً، ذلك ان اكتمال الفائدة
وشموليتها تكمنان في رؤية العرض، لأنه يثري مخيلة
الطفل ولغته، ويقوي شخصيته ويعمق معرفته بصنوف الابداع
الأخرى من موسيقا وتمثيل وديكور وحركة، وهو ما يجعل من
هذا المسرح ضرورة لازمة من أجل تنشئة الطفل تنشئة
سليمة، تمكنه من مواجهة متغيرات العصر.
إن الأسئلة المشروعة في هذا الاطار كثيرة، وأهمها واقع
مسرح الطفل في الامارات، وهل ما قدم ويقدم له يحتل
الأولويات في محيط اهتمامنا وفكرنا؟ وهل نمتلك تلك
العقلية التي تولد آلية تخطط لبناء مسرح الطفل، وما هي
الأدوات التي تتكىء عليها هذه الآليات، وبأية لغة
نتوجه إلى الطفل في هذا المسرح؟ وهل تكفي المقولات
الأخلاقية والتربوية التي تدعو إلى سلوكيات اجتماعية
يتعامل بها مع محيطه؟ وأين هو النص المكتوب الذي
سيشتغل عليه هذا المسرح، والكاتب المتخصص الذي يستطيع
أن يفتح مغاليق عالم الطفل الشديد الصعوبة، ويتمكن من
الاقتراب من نفسية الطفل وفكره وعقليته؟ وماذا قدمت
المؤسسات الثقافية والجهات المعنية بأمر المسرح
والطفل؟ وما هو الأفق الذي يمكن ان نستشرفه في هذا
المجال؟
مجموعة من الاسئلة توجهنا بها إلى نخبة من المثقفين
والعاملين في المؤسسات الثقافية التي تعنى بثقافة
الطفل عموماً وبمسرحه خصوصاً، في محاولة لاستجلاء واقع
الاهتمام بمسرح الطفل، والاستعدادات القائمة لاستقبال
أول مهرجان لمسرح الطفل، وكانت هذه الحصيلة من الآراء.
في مواجهة ثقافة الاستهلاك
د. يوسف عيدابي مدير ادارة التخطيط في دائرة الثقافة
والاعلام في الشارقة، أحد الناشطين والداعين لفكرة
انشاء مسرح للطفل في الإمارات، شريطة أن يقوم على
برامج وخطط استراتيجية بعيداً عن العشوائية والتخبط في
التجارب والمحاولات هنا وهناك، وذلك كونه يؤمن بأن
أهمية وجود مسرح الطفل تكمن كقيمة أخلاقية دينية روحية
تربوية ، تحصن شخصية الطفل في مواجهته متغيرات عصره،
وأن هذا التحصين يتم عبر انتاج ثقافة نوعية تحمل قيم
المجتمع العربي الاسلامي وروحه وذهنيته، وذلك عبر
منهاج تربوي يزرع هذه القيم، مع اعلام ثقافي يروج لها،
ليتسلح الطفل بها كمتلق حيال المبثوث حوله من ثقافات
أخرى وانماط استهلاكية تسيطر على كل ما حوله.
ويضيف د. عيدابي قائلاً: “أرى أن مهرجان مسرح الطفل هو
في حد ذاته بمثابة تكثيف لنشاط نوعي متوجه إلى مسرح
الطفل، وهو محاولة غير مباشرة لتوظيف هذا الكم من
الحراك المسرحي في الدولة، ليشمل الفرق المسرحية
والوزارات والمناطق التعليمية والجهات الثقافية، لأن
كل هذه المهرجانات التي تقام لا تنفي ضرورة وجوب خلق
مؤسسة معنية بمسرح الطفل في كل مناطق الدولة، فالطفل
يحتاج إلى التأسيس منذ مراحل تعليمه الأولى، وفي
الشارع، وفي حياته الاجتماعية والأسرية والثقافية، حتى
يمتلك ذائقة جمالية أخلاقية قيمية بشكل حضاري، وهذا لا
يتم إلا عبر السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة
والقراءة والاتصال بثوابت تراثية، مما يقدم للطفل
القيمة الروحية، ويبرز لديه المواهب الكامنة بداخله،
وهذا يتطلب تكاتف كل الجهود للرعاية والاهتمام بالطفل
منذ سنواته الأولى، على أن يتم ذلك بشكل نوعي وتخصصي
لتستقيم شخصية الطفل وتتناسب مع ما يتلقاه تدريجياً
ومقدراته العمرية”.
ويقول عيدابي: “نحن نتوجه في هذا المجال عبر مبادرات
وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد
القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نحو بناءات
وفضاءات تعلي من تفاعل الطفولة مع الحياة، وانضاج
تجربة القيم والسلوك والمعارف، بحيث نضمن صياغة جيدة
متجددة لأفكار الطفل، تصل به إلى سوية إنسانية متطورة
وبناءة”.
ويؤكد “من هنا انطلقنا من فكرة سموه في بناء مؤسسة
تعمل على تفعيل ثقافة الطفل، فكانت أول مؤسسة للطفولة
تقوم على أسس علمية مدروسة ومنظمة في الشارقة، وكان
ذلك عقب مهرجان ثقافة الطفل، الذي كان المظلة الحقيقية
للتأسيس الفعلي لثقافة الطفل، إذ من خلالها تم تطوير
وبناء شبكة مكتبات ومراكز للطفولة، وتوجت هذه الجهود
بوجود المجلس الأعلى للطفولة، ثم تحول في ما بعد إلى
المركز الأعلى للأسرة، وهو ما أوجد تلك الحاضنة
الكبيرة التي توافرت لها كل البنى التحتية والفكر
الاستراتيجي والخطط المدروسة، والامكانات المادية
والإدارية والفنية، لتنطلق مراكز الأطفال والفتيات
والناشئة لتصل إلى أكثر من عشرين مركزاً، والآن يجري
التفكير بمؤسسة خاصة بالشباب”.
ويضيف عيدابي “وبكل صدقية فقد واجهتنا إشكالية المسرح
وتريثنا قليلاً لأننا نريد مسرحاً مبنياً على أسس
تربوية علمية ثقافية وسط هذه المتغيرات وثقافة التنميط
والمنتج الغربي الذي يخضع لرؤى ثقافية مختلفة عن
ثقافتنا وتقاليدنا وأعرافنا، وأمام ما يتعرض له
الأطفال حيال ذلك، كان لا بد من البحث عن بدائل سوية،
ومن هنا يأتي إلحاحنا على قيام مؤسسة تعنى بمسرح
الطفل، وهو للعلم أكبر قيمة ونوعاً من المسرح المدرسي
الذي يمسرح في الأساس المناهج المقررة، بينما مسرح
الطفل هو منتج ثقافي فكري يتوجه إلى الأطفال عبر
الكبار الذين يقدمون للطفل ما ذكرناه من معايير وقيم
ومنظومة روحية خلاقة”.
وبالنسبة إلى غياب النص المكتوب للطفل، يقول عيدابي
“علينا ان نعترف بأنه غياب مؤثر جداً، ويستدعي اتخاذ
الاجراءات التي تعالج وجود هذه الاشكالية ، ضمن خطة
مدروسة، إلا أنه في الوقت الحالي ربما تتم معالجة غياب
النص عن طريق الاعتماد على نصوص عالمية وعربية
واعدادها بما يتناسب مع خصوصية الطفل في الإمارات،
شريطة أن تتوافر فيها مفردات مسرحية مشهود لها
بالكفاءة والجودة وأن تكون بالسوية التي نريدها للطفل
في مهرجان محلي إماراتي، وعبر التراكم والتجربة تتلاشى
هذه الإشكالية، خصوصاً إذا ما نمت مؤسسة الطفولة
واستكملت عدتها وأدواتها”.
ويضيف د. عيدابي “ترتبط بإشكالية غياب النص، قضية
اللغة التي يكتب بها هذا النص، وهنا تواجهنا ظاهرة
الكتابة باللهجة المحلية، وإن كنت أعتقد أن علينا ان
نعتمد اللغة العربية الفصحى، إلا إذا احتاج البعد
الدرامي إلى لهجة محلية، على سبيل المثال يمكن اللجوء
أحياناً إلى اللهجة العامية، كوسيلة للتبسيط والتسهيل،
وأنا ممن ينادي بالاحتكام إلى اللغة الوسطى (بين بين)
بحيث لا تكون اللغة الفصحى المقعرة ولا العامية
البحتة، لأن جوهر الأمر وما يهمنا أساساً هو ايصال
منظومة القيم والمعايير التي نريد إيصالها للطفل،
وحبذا لو تكون بلغة تقترب من العامية وتنتمي لأصول
الفصحى، دون ان نغرق في بحر العامية، وهناك الكثير من
المحاذير التي يجب تفاديها”.
وحول ما قدمته دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة
للطفل بشكل عام يوضح د. عيدابي ذلك بقوله “لقد حاولنا
في الدائرة خلال العشرين سنة الماضية أن نتواصل مع
ثقافة الطفل، من خلال عدة مشاريع مدروسة ومخطط لها،
منها مكتبة الطفل وسينما الطفل وثقافة الطفل، وكذلك
عبر المسابقات والمهرجانات، حيث تتبنى الدائرة مسابقة
للكتابة المسرحية والقصصية والروائية للطفل وعلى
المستويين المحلي والعربي، وتحرص الدائرة في هذا
المجال على النوعية الجيدة والهادفة، ولكن المسؤولية
انتقلت الآن إلى المجلس الأعلى للأسرة ومع ذلك نحاول
أن نكمل دور وعمل المجلس، وعلى الرغم من أنه خلال
السنوات العشر الفائتة، أصبح لدينا كتابات متميزة
ونموذجية كماً ونوعاً متخصصة في مجال الطفل، إضافة إلى
ما أفرزته المهرجانات والمسابقات والجوائز الأخرى مثل
مسابقة هزاع بن زايد ولطيفة بنت محمد وغيرهما، لكنني
أقول بصدق، إن كل هذا الكم والنوع والاهتمام والرعاية
للطفل، تبقى قليلاً من كثير ينتظر في مجال الاهتمام
بالطفل”.
الجديد والمتطور والهادف
شيخة الناخي رئيسة رابطة اديبات الإمارات ترى أن نجاح
مهرجان مسرح الطفل يرتبط أساساً بإعداد الدراسات
الشاملة لاحتياجات مسرح الطفل، مع وضع خطة متكاملة تشي
بتصور مدروس وشامل للغايات التي من أجلها سيقام مثل
هذا النشاط المسرحي الخاص بالطفل، كما تؤكد ضرورة
التحضير الجيد والتنسيق المنظم بين لجان المهرجان
والجهات المعنية، تجنباً لتكرار السلبيات التي قد تبرز
من خلال التجربة الأولى، مع الأخذ بعين الاعتبار
الانتقاد الواعي للنصوص المقدمة والتي يجب ان تتوافر
فيها الجدية، بما يخدم فكر الطفل ويسهم في تكوين
شخصيته بشكل سوي، أي تكون نصوصاً قادرة على التفاعل
مع الحياة والمجتمع في مجمل حركته الاجتماعية
والثقافية والفنية، خصوصاً في مثل هذا الزمن الذي
يحتاج بالضرورة إلى تكثيف الجهود من اجل تبصير الطفل
بالمتغيرات التي تحيط به، هذا من جهة، ومن جهة أخرى
تقديم كل ما هو جديد ومتطور لجذب اهتمام الطفل من
تقنيات فنية في الاضاءة والألوان والصوت، اضافة إلى
أهمية توفير الامكانات المادية التي بلا شك تسهم في
انجاح فعاليات المهرجان، وهنا أود أن أشير أيضاً إلى
اهمية الاعلام في انجاح هذه التظاهرة، وكذلك القطاعات
الثقافية والاجتماعية والتربوية، ودورها في ابراز
غايات المهرجان وأهدافه.
وتضيف الناخي “أود الاشارة أيضاً إلى أن الطموحات التي
نأمل تحقيقها تتصل بمدى تجسيد هذه التظاهرة للقيم
الدينية والوطنية وتعزيز الهوية، مع ابراز تلك المواهب
المبدعة من الناشئة والتي تحتاج منا إلى الكثير من
الرعاية والاهتمام”.
وفي ما يخص ندرة النص المكتوب للطفل في الامارات،
مقارنة بدول اخرى خليجية وعربية مثل الكويت ومصر تقول
شيخة “إننا في الفترة الأخيرة وبرعاية كريمة من صاحب
السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس
الأعلى حاكم الشارقة، واهتمامه بشؤون المسرح
والمسرحيين ومن خلال نظرته الحكيمة الثاقبة، خطا
المسرح بخطوات متقدمة، وهو ما دفع ايضاً كنموذج إلى
حقل الكتابة والتأليف المسرحي، إضافة إلى جهود دائرة
الثقافة والاعلام في توفير بعض هذه النصوص عبر
المسابقات والجوائز التي تقيمها، وكذلك توجه جمعية
المسرحيين في الدولة وإطلاقها لجائزة التأليف في مجال
مسرح الطفل، كل ذلك سيسهل عملية رفد مسرح الطفل في
المرحلة المقبلة بما يحتاجه من نصوص مسرحية متخصصة،
كما أنه سيوسع فضاء المسرح ببروز قناديل مضيئة تتنافس
في ما بينها في مجال كتابة النصوص المسرحية وكما يقال
“أن تأتي متأخراً، أفضل من ألا تأتي”، فرغم تأخر
الجمعية في توجهها هذا، إلا أن هذه المسابقة وغيرها،
ستنشط الاقلام الواعدة وتحفز الكتاب وستفرز ثقافة
مسرحية جيدة، يحظى الطفل فيها بنصيب اكبر، لذا أميل
إلى أن تكتب هذه النصوص باللغة العربية الفصحى، لتعزيز
إتقان الطفل للغتنا الأم، في عصر تتنوع فيه الثقافات
التي باتت تحاصر طفلنا في المنزل والشارع والمدرسة وهو
ما يجعل الحاجة ماسة وملحة إلى الاعتماد على اللغة
الفصحى لغة القرآن الكريم”.
يجب أن يكرس هويتنا
الكاتب المسرحي سالم الحتاوي يثمن خطوة جمعية
المسرحيين في إطلاق جائزة التأليف لمسرح الطفل، مع
تحفظه على اقتصارها على الكتاب الإماراتيين، حيث يرى
أن المنافسة مع الأخوة من الكتاب العرب المقيمين يمكن
أن تسهم في تجويد مستوى النصوص التي ستثري بالضرورة
مسرح الطفل، ويضيف قائلاً: “آمل أن ينجح مهرجان مسرح
الطفل في تحقيق المراد منه، إلا أنه لا يجوز الحكم على
التجربة من دورتها الأولى لأن التجارب في بداياتها لا
تخلو عادة إلى جانب الإيجابيات من بعض السلبيات، لذا
علينا أن نتريث في الحكم على آلية العمل لتفعيل هذا
المهرجان واستمراريته، وذلك يقع ضمن مسؤولية اللجان
المنظمة للمهرجان، كما يقع على عاتقها أيضاً الارتقاء
بالمهرجان ومستواه الفني”.
وينادي الحتاوي بأهمية وجود مساحة من الحرية التي
تساعد الكتاب على تناول واختيار موضوعاتهم والقضايا
التي يختارونها للمشاركة في المهرجان، وعدم تقييد تلك
الحرية تحت أية ذرائع واهية، لأن ثقافة العولمة التي
من المفرض أننا نواجهها ككتاب، تتوجه أول ما تتوجه نحو
القيم والسلوك وأسلوب الحياة، فهي تعمد بذلك إلى تهديم
القيم الأساسية للشخصية حتى يتاح لها إحلال قيم
العولمة”.
أما عن أهمية الكتابة باللغة العربية الفصحى التي
ينحاز إليها الحتاوي رافضاً اللهجة العامية فيوضح ذلك
قائلاً: “أفضل أن تكون الكتابة للطفل باللغة العربية
الفصحى المبسطة لا المعقدة حيث إن هذه اللغة باتت
مهددة وسط المتغيرات التي تفرضها العولمة أيضاً ولوجود
هذا النسيج المتعدد ثقافياً وفكرياً، خصوصاً أننا نردد
الألفاظ الجديدة التي دخلت مؤخراً إلى لغتنا ولساننا
بحكم هذا الاختلاط من جهة، والتقدم التكنولوجي الذي
نعيشه في كل تفاصيل حياتنا من جهة أخرى.
إن اللغة الفصحى هي القاسم المشترك بيننا ككبار وبيننا
وبين الأطفال، إلا أن ذلك لا يمنع من استخدام اللهجة
في حدود توصيل فكرة أو مقولة ما، حيث تبدو اللهجة
العامية أسهل وأقرب إلى النفسية وعقل الطفل على ألا
يعمم ذلك”.
ويتطرق الحتاوي إلى أهمية المسرح المدرسي الذي أهمل
بطريقة أو بأخرى لدرجة أنه لم يقدم أي شيء يذكر للحركة
المسرحية حتى الآن، ولم تظهر من خلاله أي مواهب في
التمثيل أو الإخراج أو التأليف، أو غير ذلك من مجالات
المسرح، وهو بالتالي لم يرفد الحركة المسرحية وأسهم
إلى حد كبير في افتقارنا إلى وجود مسرح لطفل طوال هذه
الأعوام الفائتة، والذي اقتصر وجوده على جهود ومحاولات
فردية قام بها بعض الفنانين المسرحيين ومنهم بلال
عبدالله وعابد أبوعابد.
ويلفت الحتاوي انتباه المؤسسات المعنية بثقافة الطفل
عموماً ومسرح الطفل خصوصاً إلى ضرورة “دعم مسرح الطفل
في مهرجانه الأول، والذي سيكون حجر الأساس في وجود هذا
المسرح الذي يبرز الوجه الحضاري للدولة، فأنا أرى أن
الهوية هي حصن الإنسان الأول، ومن هذا المنظور تلوح
أهمية مسرح الطفل كقيمة أخلاقية وروحية وثقافية تهتم
بجوهر الشخصية وجذورها الروحية وأصولها وثوابتها في
مواجهة الحياة والثقافة والمستقبل، لتبدو كافة الجهود
كحلقات متصلة في ما بينها، مرتبطة بضفيرة واحدة، وأنا
أشعر بتفاؤل كبير مع هذا الوعي والاهتمام وتكاتف
الجهود من أجل المسرح، وأعتقد أن عام 2005 هو عام
المسرح في الإمارات”.
مراعاة خصوصيات الطفل
أمينة الدبوس المدير التنفيذي ل”جائزة لطيفة بنت محمد
لابداعات الطفولة” لها رأيها حول آفاق وقضايا وهموم
مسرح الطفل في الإمارات، انطلاقاً من أن جائزة لطيفة
هي إحدى المؤسسات الثقافية الإبداعية التربوية التي
تسهم في صقل مواهب الطفل، إضافة إلى أنها قدمت الكثير
خلال سبعة مواسم متتالية في هذا المجال، بحيث تعدت
حدود الإمارات لتشمل منطقة الخليج، وتؤكد أمينة الدبوس
“أن الاهتمام بالطفولة في كافة الجوانب التربوية
والتعليمية والدينية والثقافية والاجتماعية يعتبر
مسؤولية كبيرة ومشتركة، وبما أن مسرح الطفل نمط مهم
يضاف إلى الذخيرة اللغوية والثقافية للطفل فإن أي عمل
تنافسي في مجال مسرح الطفل سوف يخدم بالتأكيد جوانب
عديدة من قضايا الطفل، ويسهم في إكساب الأطفال مهارات
وقدرات خلاقة وجديدة، ومن هنا أرى أن مسابقة التأليف
لمسرح الطفل التي أطلقتها جمعية المسرحيين في الدولة،
خطوة حضارية ومهمة تضاف إلى الإنجازات المحلية في مجال
الاهتمام ورعاية الطفل”.
وتضيف أمينة الدبوس “إن اهتمامنا في جائزة لطيفة بنت
محمد لابداعات الطفولة بمسرح الطفل اهتمام قديم
ومتجدد، وتبرز جذوره من خلال مشروع “اقرأ” وروافده من
النداءات والتوجهات المتواصلة من قبل أمانة الجائزة
للايعاز بالاهتمام بمسرح وثقافة الطفل، وقد شاركنا في
مهرجان دبي للتسوق المقام حالياً، بعمل مسرحي كبير تحت
شعار المسابقة المسرحية “دبي الإبداع” وقد شارك فيها
العديد من الأطفال من مراحل عمرية مختلفة، ولاقت هذه
المشاركة استحساناً كبيراً من المهتمين بالثقافة
والمسرح الخاص بالطفل، وسوف نكرم الأطفال الفائزين من
خلال تظاهرة مهرجان دبي يوم 9 فبراير/شباط المقبل في
غرفة تجارة وصناعة دبي، وبرعاية كريمة من الشيخ أحمد
بن محمد بن راشد آل مكتوم، كل ذلك يتم وفقاً لبرامج
جائزة لطيفة المتخصصة في مجالات ثقافة وإبداع الطفل”.
وعن مهرجان مسرح الطفل المقبل تؤكد أمينة الدبوس أن
لكل عمل ناجح شروطه وأدواته وآفاقه فتقول “حتى تتحقق
أهداف المهرجان لابد من الإعداد الجيد له على مستوى
التنظيم من جهة، والاهتمام بالمادة الشاملة المتكاملة
التي ستقدم للطفل عبر عروض المهرجان من جهة أخرى، مع
مراعاة ما يتناسب ويتلاءم مع أدبيات مسرح الطفل،
ولاكتمال أسباب النجاح، لابد من اشراك كافة الفعاليات
والجهات الأدبية والثقافية والمسرحية في هذا
المهرجان”.
وتستطرد أمينة الدبوس قائلة “إن مسرح الطفل يحتاج إلى
مضاعفة الجهود، كما يحتاج إلى النصوص التي تراعي
خصوصية وشخصية الطفل، وكذلك الفروق الفردية للأطفال مع
الحفاظ على سلامة اللغة وجودتها بما يليق بالمسرح
الهادف، لأن مسرح الطفل هو أحد الروافد الثقافية
المهمة للطفل، فهو يسهم في بنائه عقلياً ووجدانياً،
كما يساعده على التفكير والتخيل وإدراك واقعه الماثل
أمامه، فيستطيع التعايش مع هذا الواقع ويحاول تطويره
بعد أن يكون قد تبصر بمشكلات مجتمعه، وسبل التغلب
عليها بالمساهمة والممارسة”.
الكتابة للطفل تتطلب المتخصصين
د. إبراهيم علان عضو مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء
الإمارات يستهل حديثه بالإشارة إلى أن غياب تجربة مسرح
الطفل في الإمارات حتى الآن كان نتيجة طبيعية لغياب
التخطيط وضبابية الأهداف التي ينبغي أن يكون عليها
مسرح الطفل، وهو ما أدى إلى هذه العشوائية في التجارب،
وإهدار الطاقات وإهمال المواهب التي كان من الممكن أن
تظهر في مجال مسرح الطفل من ممثلين ومخرجين وكتاب.
ويضيف د. علان “يمكن لمهرجان مسرح الطفل أن يقدم
الكثير لطفل الإمارات، كما أنه سيشجع على وجود نصوص
مسرحية محلية خاصة بالطفل، ومع الاستمرارية سنشاهد
فرقاً مسرحية خاصة بالطفل، كما شاهدنا سابقاً محاولات
جادة للفنانة سعاد جواد والمخرج محمد الاستاذ، وقد
لاقت تجربتهما استحساناً كبيراً واقبالاً من الأطفال
إضافة إلى محاولات أخرى كانت ناجحة ولم يكتب لها
الاستمرارية”.
أما عن مسابقة جمعية المسرحيين في التأليف المسرحي
للطفل، فهو يرى أن تلك المسابقة تسهم في التأسيس
لمسرح نوعي متخصص للطفل، ويمكن أن تكون بداية جديدة
مبنية على أسس مدروسة شريطة ألا يغلب عليها الاستسهال
في اختيار الفائزين إضافة إلى أن المبالغ المرصودة
لهذه الجوائز يجب أن تكون مشجعة للكتاب والمبدعين،
علاوة على أهمية عامل الدورية والاستمرار حتى لا تكون
المسابقة شجرة دون جذور، وهو ما سوف يشكل دعوة مفتوحة
لكل المبدعين الإماراتيين لخوض هذه التجربة وتقديم
النصوص المتميزة.
وأنا أفضل الكتابة لمسرح الطفل باللغة العربية الفصحى
بعيداً عن اللهجة المحلية، حتى يستقيم لسان أطفالنا،
مع التشجيع على بعض النصوص المكتوبة باللهجة المحلية
في حالات معينة، حتى يمكن جذب الأطفال إلى مشاهدة
المسرح وترسيخ هذا التقليد.
ويعترف د. علان بأن اتحاد الكتاب والأدباء لم يقدم
الكثير في باب النصوص المسرحية عموماً ومسرح الطفل
خصوصاً، إلا أنه برر ذلك بقوله “نظراً لأن المجلس
الأعلى للأسرة ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة،
وبعض الجهات الأخرى المعنية بتقديم ثقافة الطفل إلى من
يتولى هذا الجانب، ارتأى الاتحاد عدم الخوض في هذا
المجال لما يتطلبه من خبرة وتخصص في عالم الطفل
والكتابة له.
مراعاة عقل الطفل وقناعاته
صالحة غابش أمين عام المجلس الأعلى لشؤون الأسرة تقول
إن “مهرجان مسرح الطفل المعلن عن إقامته هذا العام هو
تأطير لجهود كبيرة في تعميق دور المسرح في الثقافة
عامة، وثقافة الطفل بصورة خاصة، ويعكس نظرة جادة إلى
هذا الوجه من الوجوه الفنية الموظفة لمصلحة القيم التي
تتسق مع مطالب الحياة ومطالب علاقتنا بها، والمنتظر من
هذا المهرجان أن يجعل المسرح بالفعل رسالة موجهة لا
إلى الطفل وحسب، ولكن إلى الأسرة بكاملها، وأن يغير
مفاهيم التهريج بالغناء والرقص التي عادة ما تصاحب
العروض المقدمة للطفل، خاصة إذا كان هذا الاستعراض غير
موجه لمصلحة القيم، وغير موظف لخدمة العمل، ولا شك أن
المهرجان يشكل إضافة إلى منظومة الجهد الثقافي الذي
تقوم به إمارة الشارقة التي تعمل على استيعاب المجتمع
بقضاياه وفئاته”.
وحول الافتقار إلى النص المسرحي الجيد والجاد ترى
صالحة أنه من الهموم الثقافية العامة فتقول “لو نظرنا
إلى أسباب ذلك لرأينا قلة الامكانات المادية
والإبداعية أهمها، فالكتابة للطفل لا تحظى بكثير من
الجدية سواء ممن تصدوا لها فكتبوا القصص والأناشيد من
منظور لا يراعي كثيراً حاجة الطفل وعقليته وقناعاته،
وان كان القليل من الكتاب وفقوا في الوصول إلى نفسيته،
أو من دور النشر التي تخشى الكثرة منها أن تدخل تجربة
نشر كتاب الطفل، وإذا دخلته وضعت له نسبة ضئيلة من
نشاطها في النشر والتوزيع وذلك بسبب التكلفة التي
يتكلفها كتاب ناجح للطفل من حيث الشكل والمضمون،
وعلينا توفير الإمكانات اللازمة لإنتاج كتاب ومسرح
الطفل، وإعطاء الكتاب فرصة زمنية يتحررون فيها من
مسؤوليات الوظيفة “إن كانوا موظفين” من أجل التفرغ ولو
مؤقتاً للكتابة للطفل”.
وفي ما يتعلق بالمسابقات في التأليف المسرحي تقول غابش
“إنها واحدة من المحرضات للكتابة، لكنها كتابة محكومة
بشروط، وأول هذه الشروط هي: كتابة النص، فلو أوقفنا
الإنتاج المسرحي الكتابي على مسابقات وجوائز هل يعني
ذلك أنه لولاها لما كان هناك مثل هذا الإنتاج؟
وبالطبع هذا الرأي لا يبخس حق جمعية المسرحيين جهودها
لتفعيل دورها في المجتمع، ولعل تحريضها للكتابة - سواء
كتابة ناجحة أو كتابة لا تحقق المستوى المطلوب- أمر
يحسب للجمعية.. ولكن على الكاتب المسرحي ألا يوقف جهده
حتى الإعلان عن مسابقة”.
وعن لغة الكتابة تقول “أنا أرى أن الفصحى الميسرة هي
الأهم كلغة لايصال القيمة التي تراد إلى الطفل العربي،
لأن في استخدامها وحده قيمة، خاصة في ظل التأثر
الثقافي والفكري بالآخرين، فكثير من أطفالنا الآن
يجيدون لغتهم خطاباً وكتابة، أكثر من إجادتهم للعربية
الفصحى التي باعدتها وسائل الاتصال المختلفة وشروط
التوظيف وسواها عن واقعنا، أنا لا أرى ثقافة أجيالنا
القادمة إلا من خلال لغتنا الأصيلة ليكن مسرح الطفل
وسيلة لتأصيل حب هذه اللغة التي أصبح صغارنا يربطونها
بالمسلسلات المكسيكية”.
وعن دور المجلس الأعلى لشؤون الأسرة تقول إن المجلس
“جعل من المسرح وسيلة لايصال رسالته وأهدافه، ومن خلال
مؤسساته التابعة نجد أن هناك تفعيلاً مؤثراً للمسرح
الموجه، فمراكز الأطفال والفتيات تتبنى مسرح الطفل
الذي قدم العديد من العروض للأطفال في الإمارة
وضواحيها، ولمراكز الناشئة مشروع لتقديم عروض مسرحيات
للشباب ويحمل اسم مسرح الناشئة، أما المجلس ككل
بأمانته العامة ومؤسساته فقد أعلن مؤخراً عن بدء مشروع
مسرح العائلة، الذي سيقدم أول عروضه خلال شهر
فبراير/شباط 2005 المقبل.
وتختتم غابش “للمسرح حضور قوي في المجلس باعتباره أحد
الوسائط التي نبث من خلالها دعواتنا للقيم الأسرية
التي تحقق الترابط الأسري والاستقرار في ظله لكافة
أفراد العائلة، خاصة الأطفال والشباب والفتيات”.
الصفحة الرئيسية
|