|
قصيدة مسرحية تؤكد ميلاد مؤلف
«آه قلبي» نص تمرد على المألوف
من حكاية قديمة أشبعتها الكتابات
المسرحية تناولا ومعالجات، هي سيرة البحر واهل البحر
وافرازات الاقطاع والعلاقة الطبقية التي تفصل بين
«النوخذا» بوصفة المالك والمتحكم وبين «البحار» بوصفه
العامل البوليتاري المضحي والممصوص دمه وعرقه، وطمع
النوخذا في ابنه الصياد الفقير تحت اذلال المال
والاحتياج له.. نسج المخرج الشاب محمد العامري فرجته
المسرحية بين قاعتي العرض بمعهد الشارقة للفنون
المسرحية في محاولة للخروج من اسر العلبة الايطالية.
وفي محاولة البحث عن فضاءات جديدة
للفرجة تدفع بالمتفرج للاقتراب من الحدث ومن انفاس
الممثلين.. هذا الخروج الذي اشاد به الجميع بالامس حقق
للعامري نجاحا جديدا مع فرقة مسرح الشباب للفنون بعد
النجاح الذي حققته مسرحيته «حطبة التوبة» في الدورة
السابقة لايام الشارقة المسرحية، ولكن هذه المرة من
خلال نص مسرحي يتسم بالشعرية ووصف بالقصيدة المسرحية
لكاتبه احمد بورحيمة الذي يدخل تجربة الكتابة للمرة
الأولى.
توظيف الفلكلور الشعبي في المسرح
واستنطاق الايقاعات الخليجية والاصوات والترنيمات
الشعبية في مناخ درامي يتناغم مع مناخ آخر ميلودرامي
حبس العامري ممثليه في اطار علبة مربعة من «جريد
النخيل» في إحالة إلى ما يسمى محليا بـ «عريش الصيف»
الفتحات المربعة التي كانت مصدر الفرجة للممثلين، هذه
المربعات التي يتقاطع فيها «جريد النخيل» بالحبال شكلت
الصورة المتقطعة التي ارادها العامري لمناظره
المسرحية، بالإضافة إلى ممثلين وطبول تفترش الارض باب
العريش مغلق.. تدخل امرأة عجوز تحمل في يديها
صرة..تفتحها على انغام ترنيمات مستوحاة من الزمن
الماضي، زمن ما قبل النفط، لتندلق الحك��ية بكاملها..
«آه قلبي» مسرحية حملت في ابعادها
الفكرية موضوعا لا يموت في زمن كان، فالنوخذا
والاقطاعي المتسلط، هو نفسه اليوم في صورة تاجر متحكم
ومحتكر وهذا ما اراد الكاتب ايصاله من خلال الاتكاء
على قصة من ماضي البحر، ومجتمع البحارة، ضمن اشارات
ودلالات تخللت حوارات الممثلين كانت الاحالات مستمرة
تشير باصبعها الى حاضرنا..
كيف تصبح عملية التلقي سهلة؟ وكيف يمكن
ايقاع هذا المتلقي في لعبة الفرجة وجعله منذ البداية
هدفا يصل الى الخضوع التام للتلقي؟ هذه الاسئلة يبدو
ان المخرج الشاب محمد العامري قد وضعها في حساباته وهو
يقوم بتدريب ممثليه على اساليب الاداءات الصوتية
والجسدية وجعل الجوقة في داخل الحدث لا خارجة عنه ولا
منفصلة ولا سادة فراغ الانتقالات الزمنية.. نجح
العامري في خلق فرجته
واقترب كثيرا من المسرح الاحتفالي
العربي الذي تنادى به اليوم مجموعة من كبار المسرحيين
العرب من اجل تأصيل ملامح عربية لمسرح يخصنا، مسرح
يضعنا في البيئات التي يسهل فيها صيدنا.
ثم ان تبني ادارة مسرح الشباب للفنون
لهذا المخرج مع مجموعة من الطاقات الشابة وفرقة قوامها
مؤدون بارعون للفلكلور الشعبي على مدى عامين متواصلين
يحسب لها الاندفاع باتجاه تأصيل الفلكلور الشعبي في
المسرح المحلي، وحينما يرتبط هذا الاندفاع بنجاح
تجربتين يعني ذلك ان هناك هدفا رصينا ووطنيا يتحقق،
ليس على صعيد تشجيع الطاقات المسرحية الشابة، بل على
تكوين فرقة تمزج بين الاداء الفلكلوري والبحث عن صيغ
مسرحية طليعية.
«آه قلبي» عرض فرض فرجته بجماليات
عالية تناغمت فيها شاعرية النص الذي كتبه مؤلفه
بورحيمة ورؤية مخرج جريء ومغامر واداء مخلص من قبل
فريقي الجوقة الغنائية والممثلين. وتحسب للمخرج محمد
العامري فكرة التجريب هذه، فمسرحنا في الامارات مطالب
اليوم اكثر من اي وقت مضى بالتخلص من ارثه القديم
وتراكم تجارب النمط الواحد التي ادت الى مجموعة اعمال
مسرحية كبيرة لا تفترق عن بعضها البعض الا فيما ندر.
الندوة التطبيقية
النقاد والمسرحيون احتفوا بالامس
بالمخرج محمد العامري وبعرض مسرحية «آه قلبي»
وانهالوا عليها مديحا وتصفيقا ووصفوها بالقصيدة
المسرحية ومن مداخلات الندوة نقتطع هذه الفقرات:
هيثم
الخوجه: الكاتب والمخرج قدما لنا فرجة جميلة وكذلك
الممثلون استطاعوا ان يدركوا الكيفية والاسلوب في
التعامل مع الفراغ الذي وضع فيه هذا العرض.. حكاية
جميلة من التراث ولكنها صالحة لكل زمان ومكان..
وبامكان تسمية هذا العرض بالقصيدة المسرحية.
منقذ السريع: انا لم اعتد المشاركة في
الندوات التطبيقية لكن هذا العرض استفزني لاسجل اعجابي
الكبير بما شاهدته، والاعجاب الاول للمخرج المبدع محمد
العامري والذي فاجأني انه بالرغم من كونه المخرج الا
انه شارك في تمثيل دور كومبارس وهذه روح عالية يستحق
عليها الثناء.. ثم اتمنى على الفرقة ان تواصل عروض هذه
المسرحية وان نراها في مهرجانات خارج الدولة.
طالب البلوشي: لقد برع المخرج في شدنا
الى العرض، وبالرغم من انني لم اجد مكانا مناسبا
للمشاهدة، الا انني ورغم ذلك انجذبت الى الحوارات
العذبة والطقس الذي وضعنا فيه حتى وان كانت فكرة النص
مطروقة من قبل، وكذلك اشيد باداء الممثلين والحس
الساحر الذي تدفق اثناء المسرحية..
د.جبار خماط: انا منتش مسرحيا..هذا
العرض فيه نموذج للمسرح الذي نريد، انه نموذج التلقي
الجديد، ثمة لعبة جميلة ما بين الداخل والخارج، وهناك
تواز في الازمنة داخل هذا العرض واستغل بشكل دقيق
وحريص، لقد قدم لنا المخرج ثقافة البحر واجزم انني
شاهدت البحر اثناء العرض دون ان أرى الماء.
عبدالرحمن الصالح: اعلن اليوم ميلاد
كاتب جديد في المسرح الاماراتي وهو المؤلف احمد
بورحيمة، واذا كنا نشاهد اليوم نجاح المخرج محمد
العامري فاننا نشاهد ايضا المخرج عبدالله المناعي فهذا
الشبل من ذاك الاسد، لقد تتلمذ العامري على يد المناعي
وهذه هي ثمار التجربة.
الفنان منصور المنصور: انا اصف هذا
العرض بجواهر مجتمعة في داخل البحر واكبر لؤلؤة فيه هي
المخرج محمد العامري لقد شاهدنا اعمالا كثيرة تتناول
البحر وحياة البحر ولكن في عرض الليلة كان التناول
مختلفا.
مرعي الحليان
-
جريدة
البيان - 23/03/2005 م
الصفحة الرئيسية
|