الإتحاد العام للفنانين العرب
 
 
 

فنانو الإمارات: رحيل زايد أول ألم جماعي في عمر الاتحاد

 

في جو يلفه الحزن والأسى، أقامت جمعية المسرحيين مجلس عزاء بمقرها في المنطقة التراثية بالشارقة، وهي المنطقة التي شهدت أجواء احتفالية في شهر رمضان حيث تم تنظيم مهرجان ''رمضان الشارقة'' الذي جمدت وأوقفت جميع فعالياته إثر الفاجعة التي ألمت بالبلاد بوفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فتبدلت أجواء الفرح بالحزن لتخلو المنطقة التراثية من الناس، وليتقاطر الفنانون جميعا على جمعية المسرحيين لتقديم العزاء في وفاة الراحل الكبير يوميا منذ الساعة التاسعة حتى الحادية عشرة مساء· وعندما دخلنا لمقر الجمعية وجدنا الفنانين وقد أخذتهم الصدمة، بين باك حزين وآخر متماسك بشق النفس، وآخرون مذهولون وساهون أو غير محتملين لوقع الفاجعة، فيما ترتفع أصوات البعض بالدعوة لحمد الله على كل حال وقراءة القرآن الكريم والترحم على روح فقيد الأمة الكبير·

في البدء التقينا الفنان عمر غباش رئيس الجمعية الذي تحدث بصوت يقطعه الأسى عن مشاعره في المصاب الجلل الذي ألم بشعب الإمارات والأمتين العربية والإسلامية فقال: الكل في دولة الإمارات يشعر بصدمة حقيقية، بغض النظر عن جنسيته أو مكان إقامته، أو نوع مهنته وعمله، فالجميع كبارا وصغارا متأثرين بهذا المصاب الأليم، حتى صغيرتي البالغة من العمر أربع سنوات تقول لي: ''بابا أنا أحب الشيخ زايد''، فأقول لها إن الجميع يحبون الشيخ زايد، ولا يوجد من لا يحب الشيخ زايد سواء في الإمارات أو خارجها ولله الحمد على كل حال· تلقيت طوال اليومين الماضيين عددا هائلا من المكالمات من جميع دول مجلس التعاون والدول العربية للتعزية في وفاة الوالد القائد رحمه الله، زايد الخير الذي لم يبخل على شعبه، ولم يبخل على بلده الذي بذل له كل غال ونفيس من جهد وتعب وسهر ومتابعة، حبا في البلاد وأهلها وهو الذي كان يتمتع بحبه لكل البشرية، فلم يقصر مع أي إنسان سواء اكان مواطنا أم عربيا أم أجنبيا، فأياديه البيضاء امتدت لكل بقاع الأرض، فإذا ذهبت إلى بنجلاديش أو أفريقيا أو جنوب آسيا أو آسيا الوسطى أو الدول العربية بجميع أقطارها أو حتى أوروبا وأمريكا فستجد يدا طيبة ممتدة إليها من المغفور له باذن الله الشيخ زايد ومن الإمارات، وبالتالي فهذا الرجل الذي لم يبخل على شعبه بشيء، فإن شعبه لن يبخل عليه بدوام الدعاء والحزن والبكاء، فبفقدنا المغفور له باذن الله الشيخ زايد، نشعر أننا فقدنا جزءا مهما منا، فقد ترعرعناوالمغفور له باذن الله الشيخ زايد ماثل أمامنا، وأنا أتذكره تحديدا في العام 1971 وأنا طفل في السابعة عندما أعلن الاتحاد وحضرت ساحة الاحتفالات القريبة من بلدية دبي، وأتذكر حينها فرحة الناس ومناظر الأعلام، وفي العام 1975 رأيته رؤية العين رحمه الله على جسر المكتوم بدبي حين هبط من الطائرة المروحية لملاقاة الناس والسلام عليهم وهم في حشود كبيرة، منذ ذلك الوقت كنت أتذكره وألمس أياديه البيضاء في أبوظبي وهي تمتد للناس الذين كانوا بحاجة فعلية لوجود حاكم حكيم مثل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد· ولذلك فالكل يبكيه رجالا ونساء، صغارا وكبارا فسموه لم يترك جانبا من جوانب حياة هذا المجتمع إلا وساهم في بنائه، فهو من أسس الدولة بمساهمة إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات الذين كان لهم دور كبيركالمغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والمغفور له باذن الله الشيخ خالد بن محمد القاسمي وصاحب السموالشيخ الدكتورسلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وكل حكام الإمارات الذين لعبوا أدوارا رئيسية في بناء هذه الدولة، لكن المغفور له باذن الله الشيخ زايد تميز بتحمل نصيب الأسد في الجهد، فهو الصوت الحكيم المسموع الذي ينفذ إلى قلب كل إنسان يعيش على أرض هذه البلاد الطيبة·

ثنائية زايد والإمارات

الفنان المخضرم علي خميس كانت لنا معه أيضا وقفة تأمل في حياة فقيدنا الكبير قال فيها: أولا أحب أن أذكر أننا صدمنا جميعا كبيرنا وصغيرنا بوفاة قائدنا الشيخ زايد، الذي ترك فراغا حتى في قلوب الأطفال قبل الكبار، وقد ترسخت صورته في عقول الجميع، كما أحب أن أذكر أمرا هاما· فقد رأيت المغفور له باذن الله الشيخ زايد ، لأول مرة في العام 1969 في أبوظبي، عندما كان والدي يعمل في البنك العثماني، وأتذكر أننا (أبي وأنا) كنا مقبلين باتجاه الدوار والمغفور له باذن الله الشيخ زايد قادم من الاتجاه الآخر، فأوقف أبي سيارته، فأوقف المغفور له باذن الله الشيخ زايد سيارته ولوح لنا بيده ليتيح لنا أولوية المرور، ثم وضع رحمه الله يده على رأسه بحركة يقصد منها شكرنا! ومنذ ذلك اليوم وأنا مندهش من هذا الرجل الحاكم الذي يحترم أي إنسان فيتوقف ليفسح الطريق للآخرين للمرور، وهذا سلوك ليس بغريب على المغفور له باذن الله الشيخ زايد الذي بنى الدولة وارتبط اسمه باسم دولة الإمارات، فارتبطنا معه جميعا بأجيالنا القديمة والجديدة برباط روحي لن تجده في أي مكان، ولذلك أعتقد أنه لن ينسى اسم زايد أي أحد من الناس، فاسمه محفور في أذهاننا من الطفل إلى أكبر فرد فينا، ذلك أن الشيخ زايد لم يقصر لا في حق أهله أو أولاده أو شعبه أو أمته العربية والإسلامية، فقد مد يده وبسطها فحول الصحراء إلى حدائق خضراء، وسخر كل ثروات البلد لشعبه وأمته ولهذا سيبقى حيا في ذاكرتنا لسنوات طويلة، فمن المحال أن ننساه لأن زايد هو الإمارات والإمارات هي زايد، ويصعب فك هذه الثنائية، فزايد هو الذي زرع وهو الذي صنع أبوظبي والإمارات منذ أن كانت أبوظبي بشارع واحد فقط كان يسمى (الصراط المستقيم) ولم شمل حكام الإمارات وبدأ بتكوين الاتحاد، وهو من كرس كل وقته لبناء وطنه فحوله في سنوات قليلة إلى جنة عصرية مجندة لخدمة الإنسان المواطن والمقيم ، والحمد لله على كل حال وإنا لله وإنا إليه راجعون·

الوالد·· والراعي

أم المسرحيين الفنانة مريم سلطان كانت في حالة نفسية صعبة من هول الصدمة، فحدثتنا وهي تختنق بعبرتها قائلة بعفوية: كنت في المنزل أصلي العشاء، وكان ابني يجلس في الصالة أمام التلفزيون يشاهد مسلسلات رمضان وفجأة انقطع كل شيء وتم بث القرآن الكريم، وعندما أذيع الخبر بقينا في حالة ذهول حتى الآن، صرنا نضع وجبة الإفطار ولا يقترب منها أحد، والصمت يلف بيوتنا طوال الوقت، فالشيخ زايد رحمه الله كان والدنا وراعينا، وهو كل شيء بالنسبة لنا في الإمارات، ولكن قدر الله وما شاء فعل ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد استرد رب العالمين أمانته، لكنه لن يرحل عن قلوبنا نحن أو الجيل الذي سيأتي بعدنا، فزايد هو من وطور البلاد وأوصلها إلى مصاف الدول العالمية، ولن يعوضنا أحد عن المغفور له باذن الله الشيخ زايد، ولا نملك إلا أن نسأل الله أن يطرح البركة في أولاده، رحم الله الشيخ زايد وغفر له·

الباني والقائد

عميد الفنانين المسرحيين محمد الجناحي الذي قدم من أبوظبي كان في حالة ذهول وحزن هو الآخر، فقال: لا أعرف ماذا أقول، تهرب من فمي الكلمات وأنا الذي عايشت الشيخ زايد رحمه الله عن قرب فقد عملت وخدمت في ديوان سموه رحمه الله مدة عامين، لا حول ولا قوة إلا بالله، وعزاؤنا الوحيد في خلفه، فمن خلف لم يمت، ثم إن البناء الحقيقي الذي تركه لنا الشيخ زايد، والأهم من المعمار، هو بناء أسرته أولاده وبناء جميع أبناء شعبه وتربيتهم على قيمه الأصيلة، وعلى رأسها الأصالة عزة النفس والبساطة والتواضع، وحسبنا بهذا ما يحفظ وحدة ونماء دولة الإمارات وسموها بين الأمم، فالناس على دين ملوكهم، ولا أستطيع أن أتصور الإمارات بدون الشيخ زايد الذي سيبقى يعيش معنا في ذاكرتنا ومستقبلنا، فرحمه الله وجزاه خيرا عنا فقد كان نعم الوالد ونعم الراعي ونعم القائد الحكيم·

نحن عيال زايد

الفنان حسن رجب كانت لنا وقفة معه تحدث فيها عن مشاعره لحظة استقباله للنبأ الأليم الفاجع قائلا: لا نستطيع إلا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون، فقد كان خبر رحيل الشيخ زايد رحمه الله له وقع الفاجعة على الجميع، وبالذات جيلنا نحن الذي تفتح وعينا على الشيخ زايد رحمه الله ، وكان حاضرا أمامنا حتى في دراستنا في الخارج، فقد زارنا في سفارة الإمارات بدولة الكويت عام 1987وحثنا سموه على الاجتهاد في طلب العلم، وقد ترك بصماته علينا، لذلك تلاحظ أننا إذا ذهبنا لأي مكان وأي محفل كمهرجان أو تجمع فني، يطلق علينا الناس لقب (عيال زايد) وقلما تسمع أحد ينادينا بالإماراتيين، ولهذا ارتبط اسمنا باسمه، وهذا يدل على أن خيره سبقنا بكثير في كل مكان، وقد رفع رأس شعبه في كل أنحاء الدنيا، وهذا بحد ذاته أمر تفتقده كثير من الشعوب الأخرى، وقلبي على أهالينا الذين ارتبطوا معه برباط أكبر قبل ولادتنا نحن، فقد تعودنا أن نسمع أهالينا في كل حركاتهم وهم يدعون له: الله يخلي زايد··الله يطول عمر زايد·· الله يكثر خيره) هذا أمر تعودناه منذ نعومة أظفارنا، فهذا الرجل العظيم هو من أسس الدولة وصنعها ونحن ترعرعنا على هذا التأسيس ولم نعرف قائدا ومعلما غيره، لذلك ستكون شهادتنا مجروحة، رغم أن العالم كله يعرف أين كانت الإمارات وكيف أصبحت في عهد زايد، فقد صنع رحمه الله دولة معجزة، وفوق ذلك ها نحن نفخر بين الشعوب اليوم بالحرية والديمقراطية والأمن والاستقرار وأفضل الخدمات ، وكل الأمور ميسرة للمواطنين وليس هناك حواجز بينهم وبين قيادتهم، ولذلك فنحن محسودون بالفعل من قبل بعض دول العالم، ولا يسعنا أن نقول الآن إلا الحمد لله على كل حال، ورحم الله الشيخ زايد وجعل له الأجر الكبير في ميزان أعماله·

زايد·· الأب الروحي

أما الفنان مرعي الحليان فكانت لنا معه وقفة تأمل فيها بعض سمات فقيد الأمة الكبير بقوله: لقد كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد من أولئك الرجال القلائل الذين تغلب لديهم العاطفة الإنسانية في كثير من الأحيان المنطق الجاف أو البارد في النظر للأمور، أو الصرامة الشديدة في القانون، وسأضرب على ذلك مثالا حقيقيا غاية في الجمال، ففي إحدى السنوات أمر سموه بعفو عام لكافة من في السجون، عدا المتهمين بجرائم القتل، وقد انطلق هذا العفو من سبب بسيط، فقد قابلته ''رحمه الله'' في إحدى جولاته امرأة عجوز قائلة: ''لا يوجد في بيتي سواي أنا وابنتي، ولا أستطيع النوم في الليل لشدة الخوف'' فسألها عن السبب فقالت أن ابنها سجين، فأخذته العاطفة في الحال وأمر بإخلاء السجون، كان يتعامل بأبوة كبيرة معتبرا كل الناس أسرته، مثال آخر في منحه نصف مليون لكل مواطن يرغب في بناء بيته، فكان يكسر القوانين في كثير من الأحيان من أجل راحة شعبه، ولفرط عاطفته كان يعتبر بصدق أن كل الأطفال والشباب أولاده ويؤكد هذا في جميع المناسبات، وكان من عاداته أن يدعو بنات الجيل الحالي للقيام بعمل الطبخات الإماراتية الشعبية، رغم أنه رئيس دولة ومشغول بمهمات كبيرة، فيمر على البنات ويأكل من عند هذه ويتذوق ما طبخته تلك، ويتجاذب معهن أطراف الحديث عن أمهاتهن الأوائل و طبيعة الحياة الصعبة في الماضي في درس عملي حي دون اللجوء لخطب رنانة، ويجلس كذلك مع العمال والتجار والمزارعين في أي مكان دون أدنى تكلف أو برستيج، وهذه تلقائية وطبيعية وبساطة سيفتقدها كل الناس اليوم· فعندما تنظر لزايد وتتأمل مسار حياته وطبيعة شخصيته رحمه الله، يجعلك في حيرة من أمرك، فلا تستطيع أن تطلق عليه وفقا لتواضعه رئيس دولة أو حاكم، لا يمكن لك أن تصنفه في فئة الحكام فقد كان أبا روحيا للجميع بكل معنى الكلمة، ولذلك فإن إحساسنا بخسارته يأتي من هذا الباب فهو شخصية لن تتكرر، فهناك نماذج يأتي بهم الله في الأرض رحمة للناس، وزايد كان من الطراز من الآباء الروحيين· والأمر الآخر أن رحيل الشيخ زايد عنا يعدُّ أول ألم يصيبنا في الضمير الجمعي الذي لم يتكون إلا حول زايد بإرادة الوحدة ومنذ تأسيس الاتحاد حتى يوم رحيله كان يكرر في كل عام مجموعة من الكلمات التي تشكل عصب المجتمع الذي يؤمن به وهي ضرورة التضامن والاتحاد والتسامح والمثابرة في العمل وأهمية التعليم· ففقده اليوم صعب جدا علينا ولكن لا راد لقضاء الله الذي نسأله أن يرحم الشيخ زايد ويسكنه فسيح جناته وأن يزيد في ميزان حسناته·

خير الكلام الدعاء

وأخيرا كانت لنا هذه الوقفة مع الفنان القدير إبراهيم سالم الذي قال متأثرا: إذا تكلمت عن أبناء جيلي، سأجد أن تحقيق وجوده في هذه البلاد مرتبط باسم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، وبالنسبة لي كان فقده عظيما فشعرت أن الدنيا والناس والأشياء تغيرت، فحتى الشارع يبدو لي حزينا، فقد كان رحمه الله جناحاً دافئاً للجميع فلم يظلم أحدا قط، ومواقفه مشرفة للمواطنين والمقيمين والعرب والمسلمين، لقد فقدنا هذا الحكيم الذي لا نزال نحتاج إليه وسنفتقده كثيرا في مستقبل الأيام، وربما سنفقد حتى إحساسنا بالأمان الداخلي الذي كان زايد رحمه الله يوفره لنا بإحساسه الأبوي، بكل ما تحتمل الكلمة من معاني الأبوة، ومهما عددنا مناقب ومآثر الشيخ زايد لن نوفيه حقه، فكل كلماتنا قليلة بحقه قياسا بفعاله العظيمة تجاه شعبه وأمته، وأحوج ما يكون إليه رحمه الله من الناس باختلاف شرائحهم هو الدعاء له بالرحمة، فرحمه الله وغفر له وتغمد روحه في الجنة إن شاء الله·

                                                                                                             

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 
 
Site best view in IE 5.5 or later with 800x600 resolution
Theatrical Association Tel: 9716 5688558 Fax: 9716 5688332 P.O.Box: 1331 Sharjah-UAE
E mail: masrheen@emirates.net.ae