الإتحاد العام للفنانين العرب
 
 
 

 

 

يرونه طريقا مليئا بالعقبات

المسرح الإماراتي بعيون صانعيه

يمكن الحديث باسهاب عن المسرح في الامارات وما وصل اليه الآن من مكانة متميزة خليجيا وعربيا، خصوصا في مجالي التمثيل والاخراج، بعد ان قطع شوطا طويلا منذ الثمانينات وبما توفر له تدريجيا من بنية تحتية تمثلت في تزايد عدد الفرق المسرحية، ورعاية ودعم الدولة للحركة المسرحية، من خلال اقامة المهرجانات المسرحية، وانشاء قاعات للعرض، ومواكبة المتغيرات على كل المستويات المسرحية، مع الاهتمام بالمسرح المدرسي والجامعي، اضافة الى تبني الورش الفنية والدورات التدريبية المتخصصة في مجال المسرح، وتشجيع الفرق المسرحية ماديا مع توفير سبل استمرارية وجودها وتطورها.

وكانت وزارة الاعلام والثقافة ودائرة الثقافة والاعلام في الشارقة وجمعية المسرحيين في الدولة من الجهات المعنية بذلك، مع الاستثناء الاكبر الذي حظيت به الحركة المسرحية في الامارات عبر مكرمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، وهو ما اثمر تلك المكانة والمصداقية التي يتمتع بها المسرح الاماراتي عربيا وخليجيا.

ولكن إذا ما حاولنا رصد حركة المسرح الاماراتي بصدقية وعمق اكثر من الجانب الادبي ونقصد به الكتابة والتأليف المسرحي، فتبدو الصورة اقل بريقا. اذ لا يتناسب هذا النجاح على المستوى الفني مع ما تحقق على مستوى النص المسرحي، فرغم كل النشاط الفعال على الساحة المسرحية سواء عبر المشاركات الخارجية المستمرة على مدار العام، أو من خلال فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية السنوي، وما تعقبه من عروض الفرق، ينفرد نفر من المسرحيين لا يتعدون في افضل الاحوال عدد اصابع اليد الواحدة في توجههم نحو التأليف المسرحي، وهم دون استثناء اشبه بالزهور البرية، فقد اعتمدوا على انفسهم وعصاميتهم وجهودهم الذاتية، وسعيهم الدؤوب لسد الهوة التي بدأت تتسع بين هذا النشاط المسرحي المتزايد، وبين ندرة الابداع في مجال التأليف الذي من المفترض ان يتكئ عليه هذا الفعل المسرحي.

ويؤكد الكاتب والمخرج عبدالإله عبدالقادر في كتابه “تاريخ الحركة المسرحية في الامارات” على احصائية تقول ان عدد العاملين في مجال المسرح من غير الممثلين بلغ 199 حتى التسعينات من القرن الفائت في مختلف مجالات تقنيات المسرح، موزعين كالتالي: عدد الملحنين (17) عدد مصممي الازياء (20) عدد المخرجين (71) أما عدد الكتاب من الاماراتيين الذين مارسوا الكتابة المسرحية فيبلغ (44) كاتبا.

إلا ان بروز ظاهرة اختفاء العديد من تلك الاسماء، وتوقفهم لأسباب عديدة أولها دون شك عدم انتباه المعنيين بأمر الحركة المسرحية وقتذاك الى أهمية رفد الساحة بأدواتها الرئيسية والتي يأتي في اولوياتها النص المسرحي، وهو ما افسح المجال أمام النصوص المترجمة أوالمقتبسة أو الارتجال في اعداد النصوص دون ان تكون قد استوفت تكاملها الفني والادبي، مما دفع بعض المخرجين والممثلين أحيانا الى التوجه نحوالكتابة المسرحية ومحاولة تعويض النقص في النصوص المكتوبة، أو اللجؤ الى ما يسمى ب “الدراما تورجيا”.

ان تأخر الاهتمام من قبل الجهات المعنية بقضية النص المحلي (لم تخصص جائزة للتأليف المسرحي ضمن جوائز الشارقة للابداع الا في العام 2001) مع عدم وجود حوافز أو تشجيع للكتاب والمؤلفين المسرحيين كان من الاشكاليات العميقة التي تواجه المسرح الاماراتي الآن في مجال التأليف المسرحي بعد ان ضل النص المسرحي طريقه لفترة طويلة كما يوضح الكاتب والشاعر احمد راشد ثاني مبينا ان النص المسرحي الاماراتي لم يستطع الاستقلال عن العرض المسرحي، والافلات من تحكم ورغبات ادارات الفرق دون وعي، بل ويتعمق احمد راشد في تحديد الاشكالية فيؤكد “ان التكتم على الحاضر وزيادة مساحة السرية في مجتمع ينمو نحو الاجماع الايديولوجي، بعيدا عن المساحة العلنية المتاحة، جعل الكشف عن سلبيات الواقع وفضح تخلفه واحباطاته من قبل المؤلف، يعد في معايير المجتمع جريمة”.

 مداخل ممكنة لفهم ما جرى

 لقد عانى المسرح في الامارات ومنذ نشأته من اشكالية لم يتمكن من تجاوزها، الا وهي النص المسرحي، والشكوى لاتزال مستمرة حول كيفية تكوين الكاتب المسرحي المحلي من جهة، وقضية اللغة المسرحية من جهة أخرى، ومدى تواصل المؤلف المسرحي مع المتلقي عبر هذه اللغة، حيث ان الكتابة للمسرح تختلف عن بقية الاجناس الادبية الاخرى، وتحتاج الى تقنية عالية وخاصة في الشكل والاسلوب

والبناء الفني المسرحي.

د. يوسف عيدابي يعيد اشكالية النص المحلي الى عدم وجود حركة نقدية صادقة متفهمة لحركة تطور المسرح الاماراتي، لدرجة ان بعض النقاد عرقلوا مسيرة التأليف المسرحي، عندما اشرق فجر كتابة جديدة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات مع اسماعيل عبدالله واحمد راشد ثاني وسليمان الجاسم وماجد بوشلبي وعبد الله المناعي وعبيد الجرمن وعمر غباش وغيرهم.

بينما يؤكد الكاتب المسرحي هيثم الخواجة ان البدايات الحقيقية للتأليف المسرحي في الامارات تعود تأريخيا الى الخمسينات والستينات عندما افرزت مع السبعينات العديد من المؤلفين لنصوص مسرحية مثل د. عبدالله عمران (نواخذة الغوص) سعيد بوميان (الرغبة) عبدالله الاستاذ (ليس يا زمن) ابراهيم بوخلف (شركة وشربكة) عبيد سلطان (المخدوع) وكذلك حمد سلطان وفؤاد عبيد ومحمد عواد وقبلهم عبيد صندل وغيرهم، مع الملاحظة ان هذه النصوص ليست في مستويات متقاربة لا من حيث اسلوبها أو انتمائها الفني المسرحي ومنهجيتها.

ولكن مع وجود هذه الاجيال المتتالية من كتّاب النص المسرحي، تبقى الكتابة والتأليف المسرحي اشكالية، ويبقى النص المسرحي غائبا عن المسرح الاماراتي، ويرجع البعض اسباب ذلك الى استسهال الكتاب لعملية الكتابة المسرحية وعدم وجود محفزات كافية لجذب الكتاب، مع عدم استفادة الكاتب المسرحي من ثراء تغيير واختلاف المعطيات الاجتماعية القائمة، مما جعله أسيرا للماضي، أو سهولة التوجه نحو التراث والنهل منه، مع تحميل الجهات المعنية بالمسرح مسؤولياتها نتيجة تأخرها في الاهتمام بالكتاب والمؤلفين على حساب اهتمامها بجوانب المسرح الاخرى، وغياب حركة نقدية جادة وواعية تسهم مع المؤسسات الثقافية الاخرى في تكوين ودعم وتأهيل الكوادر التي تعي اصول المسرح واهدافه. والالتفات الى تجارب الكتّاب الشباب في مجال التأليف المسرحي، وهو ما ورد ويرد في اغلب التوصيات والبيانات الختامية للملتقيات والمهرجانات المسرحية، مع ضرورة افساح المجال  امام فضاء أوسع من الحرية للتفاعل مع قضايا المجتمع المعاصرة، ومنحه دفعة اقوى ليخرج من حدوده التي اصبح أسيرا لها.

عمر غباش المخرج والمؤلف ورئيس جمعية المسرحيين في الدولة، يوافق على ان النص المسرحي المحلي لم يوجد بالمعنى الحقيقي لمفهوم النص المسرحي مع البدايات الاولى للحركة المسرحية في الامارات، وبالتالي فتلك الكتابات لم تتعد المحاولات التي اتسمت بالكثير من الارتجال وعدم الوعي الفني للكتابة المسرحية، إلا انه ومع بداية قيام الاتحاد، وتكوين الفرق المسرحية في الدولة، بدأت مرحلة جادة بعض الشيء في التأليف المسرحي، إلا انها توقفت نتيجة الخلل الفني في بنيتها المسرحية، ما دفع المسرحيين الى التوجه صوب النصوص العربية والعالمية سواء عبر الاعداد أو الترجمة أو حتى تقديمها كما هي.

ويؤكد غباش: هذه الانواع من الأعمال وعلى أهميتها إلا انها ساهمت في مرحلة ما في ابتعاد الجمهور عن المسرح الاماراتي لأنه شعر بأن هذه الاعمال المعروضة لا تهمه كثيرا لا من قريب ولا من بعيد، لأنها تتناول قضايا وهموم وان كانت انسانية في مضامينها وافكارها، إلا انها تختلف تماما عن خصوصية قضاياه وهمومه وتفاصيلها المعيشية اجتماعيا واقتصاديا وفكريا.

ولكن مع عودة مهرجان ايام الشارقة المسرحية واستمراريتها اتاحت المجال امام المؤلف المحلي لتقديم نصوصه التي تتناول الواقع المعيشي بكل اشكالياته وهمومه وتفاصيله المرتبطة بالبيئة وخصوصيتها، وبرزت اسماء عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر احمد راشد ثاني واسماعيل عبدالله ود. سليمان الجاسم وعبدالرحمن الجرمن وعبدالله المناعي، وأنا ايضا خضت معهم غمار التأليف للمسرح وكان ذلك قبل توجهي للاخراج. ولكن القفزة النوعية والقوية والتي لازالت مستمرة في مجال التأليف المسرحي جاءت بعد عودة المسرحيين الذين درسوا في الكويت والولايات المتحدة، حيث كنا جميعا محملين بالمعرفة المسرحية وابعادها الفكرية والفنية، مع شعورنا بعبء المسؤولية وضرورة التركيز على ترسيخ وجود النص المسرحي المحلي الذي يتوافق مع الواقع المحلي ومشكلاته وهمومه، وتدريجيا بدأ هذا النص يتوفر مع بروز جيل جديد من المؤلفين المحليين وان كانوا من غير الاكاديميين الا أنهم يمتلكون الوعي والدراية الفنية والفكرة لابعاد النص المسرحي ومنهم جمال سالم وسالم الحتاوي وعبدالله صالح وناجي الحاي وغيرهم، ولا اضيف الجديد بقولي  ان هذا العدد الموجود الآن من كتاب المسرح في الامارات نحسد عليه خليجيا، بعد ان قدم العديد من النصوص التي نجحت على المستوى المحلي والخليجي ايضا، وهي بشهادة المختصين تعتبر من النصوص الجيدة فنيا ودراميا، وكذلك من حيث مضامينها، وهي من اجود النصوص على المستوى الخليجي ولا تقل عن المستوى العربي مسرحيا، لأنها تمتلك ادواتها وحسها الفني والفكري للقضايا التي تتناولها.

وان كنت أود هنا ان اشير الى اهمية دور الجوائز والمسابقات التي تتبناها المؤسسات المعنية بالمسرح في الامارات، واخص بالذكر مسابقات جمعية المسرحيين ودائرة الثقافة والاعلام في الشارقة، ومدى تأثير هذه المسابقات والجوائز في تشجيع وتحفيز الكتاب الذين يمتلكون الموهبة على الظهور واثبات وجودهم، مع التأكيد على ان هذه الجوائز لا تصنع مؤلفا ولا كاتبا مسرحيا، وانما تسهم في اظهاره وابراز موهبته ودفعه نحو النجاح، كما ان هذه الجوائز والمسابقات كانت من الاسباب الرئيسية في توفر النص المسرحي المحلي حاليا.

 مقاربات أخرى في المشهد

الكاتب سالم الحتاوي من المؤلفين الذين برزوا مع بداية التسعينات، يربط التجربة المسرحية في الامارات بمراحل وتجارب عدة حتى بلغت مرحلة التطور والنضج، وهو ما ينطبق ايضا على النص المسرحي الذي حمل بالضرورة في طياته قضايا وهموم انسانية يقدمها من خلال خشبة المسرح، ويضيف الحتاوي: لذا فالنص دائما هو العامل الرئيسي والأساسي لأي عمل مسرحي وبقدر ما يتقدم ويتطور النص في اطروحاته التي يقدمها، بقدر ما يتطور المسرح، فالنص هو اللبنة الاولى والاساسية للعمل المسرحي، ولو عدنا الى الوراء قليلا وبحثنا في نصوص مرحلة الخمسينات والستينات سنجدها تمثل مرحلة النصوص الفطرية، أي يقتصر النص على وجود الفكرة، ومن ثم باقي العمل المسرحي يعتمد على جهود الفنانين في ارتجال ما تبقى لاستكمال عرضهم المسرحي، إلا انه ورغم تلك الامكانات الضعيفة والمتواضعة حينذاك، فقد استطاع المسرح ان يناقش قضايا مجتمعه من خلال طرح هموم الناس عبر الفكاهة البسيطة والسخرية المحببة، وهو على ما يبدو ما يرغب الناس فيه، أو ما تعود الجمهور عليه في طريقة طرح القضايا والهموم.

أما في فترة السبعينات والثمانينات فقد شهدت فترة تحولات كبيرة في المسرح الاماراتي، حيث اتجه المسرح الى تقديم النصوص العالمية والعربية، حتى وان كانت لا تعكس الواقع ولا البيئة المحلية بشكل عام، وقد أدى ظهور هذه النصوص الى اختفاء النص الاماراتي مع بقاء بعض المحاولات على استحياء، واستمر الحال على ذلك حتى بداية التسعينات وتحديدا مع عودة ايام الشارقة المسرحية في العام ،1994 حيث بدأ النص المحلي في الظهور وبقوة مرة اخرى، فقد شارك في تلك الدورة محمد العامري في مسرحية “الشهادة” وجمال سالم “مال الله الهجان” وجمال مطر “قبر الولي” وناجي الحاي “بنت عيسى” وسلطان النيادي “بور ويشد” وعلي ابو الريش “ابن ماجد يحاكم متهميه” وجاسم راكان “مأساة ولكن” وسعيد حداد “كلام في كلام” وأنا شاركت في “احلام مسعود”.

ومن هذه الدورة تحديداً بدأ النص المحلي يأخذ شكله الفني الخاص به، من حيث مفردات البيئة والموروث الاماراتي بشتى اشكاله وتنوعاته، وهو في اعتقادي ما أعاد الى المسرح الاماراتي هويته، الا أنني وبكل صدقية اقول ان العلاقة بين المسرح المحلي والجمهور في الامارات لم تتجسد بالشكل المطلوب حتى الآن، وبالتالي المطلوب من المؤلف محاولة الوصول الى الجمهور دون تقديم تنازلات، وهذا لن يتم بعرض واحد للفرقة سنويا كما يحدث الآن، بل لا بد من ان تستمر العروض على مدار العام، بحيث يصبح لنا موسما مسرحيا متكاملا، وربما يسهم ذلك في حل تلك الاشكالية التي لا تزال قائمة.

الكاتبة باسمة يونس من الاسماء التي برزت عبر المسابقات والجوائز التي تدعم وتشجع المؤلفين المسرحيين، وقد نالت جوائز عدة في هذا المجال، تؤكد على ان النص المسرحي في الامارات يعاني اشكاليات عدة، وتوجزها على الشكل التالي:

النص المسرحي في الامارات يعاني من اشكاليات عدة قد تحجم نجاحاته وتطوره وخروجه من المحلية الى العربية والعالمية اذا لم نحللها ونحاول استكشافها كي نتوصل الى حلول، ولكنها مع ذلك لا تلغي النهضة المسرحية الآنية التي ينظر اليها حاليا على انها عصر التألق المسرحي في تاريخ الامارات. ومن المعروف ان الكتابة المسرحية تحتاج الى حرفية بالغة ودقة في تركيبها وتأسيسها وتسيير احداثها وهي مختلفة في فنياتها واسلوبها عن الاجناس الادبية الاخرى ومن الصعب اللحاق بركب المؤلفين المسرحيين من دون الالمام بأبسط هذه الفنيات وبناء قضايا تستطيع الخشبة استيعابها وتقدر على التفاعل معها كقضية مسرحية ملحة. وواحدة من أهم الاشكاليات بنظري والتي تؤثر في النص بعمق هي قضية التمحور حول قضية واحدة وعدم الانفكاك من بين براثنها. وهذا ما يجعل مجموعة من الاعمال المسرحية وكأنها صورة أو شخصيات واحدة في قصة واحدة تتناقلهم الاحداث والاماكن في اعمال مختلفة. ومن الخطأ النظر الى البيئة الاماراتية على انها بيئة بسيطة جدا وواضحة ومحدودة حتى اننا بامكاننا كتابتها في نص مسرحي واحد أو نصوص عدة متكررة ومتشابهة كما قد يزعم بعض الكتاب ممن يجرؤون على استسهال الكتابة المسرحية. فلا شك بان الانتقالات والتحولات المتوالية في المجتمع الاماراتي تعتبر مادة خصبة جدا للفكر وثرية بالموضوعات لكنها تحتاج الى مؤلف ذكي ومحترف وقادر على التقاط الافكار من بين الغابات المتناثرة من الموضوعات والقضايا. وهنا اعتبر البيئة الاماراتية مظلومة لأنها حافلة بالكثير ولم يؤخذ منها حتى اليوم الا ابسط القليل.

اما الاشكالية الثانية فهي ما قد يردده بعض الكتاب عن كونهم لا يستطيعون الكتابة في قضايا تمس حياة المرأة لأنها غير متوفرة على المسرح وليس بالامكان تقديم نص تكون البطولة فيه نسائية ولا توجد ممثلة قادرة على تأديته لندرة الممثلات. ومع انني متفقة معهم في مسألة ندرة الممثلة المسرحية وانحسار العنصر النسائي من على خشبة المسرح بشكل لافت وربما لازلنا بحاجة ماسة الى الكثير من الاشتغال على قضية المرونة الفكرية تجاه المسرح والتمثيل المسرحي في مجتمع محافظ وملتزم مثل المجتمع الاماراتي ومع ذلك فليس هذا مبررا لإعدام الوجود النسائي من النصوص أو تحويل المرأة الى مجرد هامش وتسطيح ادوارها المهمة في الحياة. وأرى بأن التاريخ الاماراتي يجب ان يسجل في النصوص الادبية المسرحية وغيرها وجود العنصر النسائي كما هو الواقع تماما وعليه ألا يتجاهل المرأة لأنها عنصر مساعد في قيام النهضة ولها تأثير عميق ليس بالامكان الالتفات عنه أو تبرير غيابه بأي سبب يمحق تاريخها بهذا الاجحاف. أما بالنسبة للنقص في العناصر النسائية فهو قضية ثانية تحتاج الى تفاعل كبير والى تعاون مؤسساتي ضخم يجعل من قضية التمثيل النسائي على المسرح قضية فعالة ومثمرة واخراجها ضمن أطر مفاهيم الانحراف أو الافساد التي قد يلوثها البعض بأفكارهم العقيمة.

والاشكالية الثالثة هنا هي الكتابة في موضوعات لا تمت الى المجتمع الاماراتي بصلة. فهي تحول النص الى عدم أو تضعه في هلامية تتوهه عن المكان ويضيع واياه المتفرج أو المشاهد ولا يخرج منه بإفادة. ومن الملاحظ ايضا ان اغلب النصوص المسرحية المحلية مكتوبة بفكرة واحدة ضيقة تجعل من الايمان بالسحر والخوف من شرور الجان قضية كبرى في زمن تطورت فيه الآلة وكبرت المفاهيم عن حدود هذه المضامين الساذجة فكريا. وان كان واحد من النصوص قد نجح مرة في تصوير هذا العالم فهو لا يعني ان تسير قافلة الكتاب في الركب ويحاول الآخرون تقليد نجاح واحد. وهذه الاشكالية برأيي تقعد النصوص عن اهدافها وتبعدها عن الوجهة التي عليها الانطلاق صوبها. ومن الضروري اخيرا النظر الى مسألة وجود الاشكاليات والكتابة عنها بصراحة بشكل ايجابي فهي من خلال اكتشافها تسهم في توجيه نظر الكتاب اليها كي يعمدوا الى تقليصها ومن ثم التوصل الى حلول في سبيل نصوص مسرحية اماراتية عالمية. وعلينا أولا وأخيرا عدم التردد في المكاشفة والمواجهة ومحاولة تطوير النقد المسرحي الاكاديمي من خلال تكثيف تدريب وتوجيه مجموعة الكتاب المسرحيين في الامارات للتوصل الى كتابة مسرحية نقدية قادرة على رفع مستوى النصوص وابعادها عن السقطات الواضحة التي تجعلها مغرقة في السطحية في كثير من الاحيان أو مصنوعة بضعف اعتمادا على وضعها بين ايدي مخرج سوف يقلبها لمجرد العرض من دون التفكير في كونها نصا مسرحيا مقروئا في كتاب قبل ان يتحول الى صورة فوق الخشبة.

الممثل والمؤلف مرعي الحليان يعتقد انه لم يتجه نحو الكتابة للمسرح لرغبة في ان يصبح كاتبا مسرحيا، لأنه تميز بكونه ممثلا وسيبقى هذا هو مشروعه الفني، إلا أنه يرى حاجة ماسة لطرح مواضيع تهم الانسان الاماراتي اذ ان كتاب النصوص المسرحيين لم يذهبوا مباشرة الى تلك الازمات والقضايا المهمة التي تخص الانسان في الامارات، ويضيف: لذا توجهت الى الكتابة عن فقدان الهوية، خصوصا لدى جيل الآباء الذين يعيشون حالة تحول في المكان، وطقس المكان وثقافته، وبالتالي شعرت انهم يفقدون الكثير من ملامحهم الحياتية والفكرية التي كانوا يركزون عليها في معيشتهم، وفي مسرحية “باب البراحة” كنت اتجه نحو علاقة المسرح بقضايانا القومية مثل فلسطين والوحدة العربية فهؤلاء الآباء كانوا من المهتمين والمتعلقين بالاطروحات القومية العربية ولديهم علاقة قوية بفكر جمال عبدالناصر، بينما نلاحظ ان جيل اليوم من دون ملامح سياسية، كما كان جيل ما قبل النفط.

وهذه الوشائج بين الانسان وهويته هي التي دفعتني الى كتابة المسرحية، فأردت الخوض في هذه المناطق الحساسة التي لم يتطرق اليها النص المحلي، وكما فعلت عندما كتبت مسرحية “التراب الأحمر” والتي رصدت فيها موضوع الجزر الاماراتية، ومن خلال مدخل انساني يجسده ذلك الرجل الذي عاش على هذه الجزر، وفي الوقت نفسه يشعر انه معزول عنها في يد قوة اخرى تفصله عن وطنه.

ويؤكد مرعي الحليان ان الاشكال الكبير ليس في وجود أو عدم وجود النص المحلي، ولكن في القضايا والموضوعات التي يتناولها النص المسرحي والذي يتواصل مع هموم الناس واهتماماتهم الحياتية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، اذ ان اغلب النصوص المتميزة في المسرح الاماراتي تكتفي بتناول ورصد حالات انسانية من الممكن ان تحدث هنا وهناك وفي أي مكان في عالمنا، إلا انها لا تمسه بشكل مباشر، وتتجه نحو المثاليات الانسانية في قوالبها الكلاسيكية المطروقة سابقا وبأساليب مكررة ومستهلكة، وهو ما يزيد من حجم الازمة، والازمة هنا كما ذكرت ليس أزمة كتاب ومؤلفين وانما تكمن فيما يقدمه هذا الكاتب أو المؤلف.

وعن دور المسابقات والجوائز التي تتبناها المؤسسات والهيئات المعنية بالشأن المسرحي يقول الحليان: المسابقات والجوائز لعبت الدور الرئيسي في رفد الساحة بالاقلام المحلية في مجال الكتابة للمسرح وكذلك عودة ايام الشارقة المسرحية وبشكل منظم ومستمر، وبرزت من خلال ذلك اسماء عديدة منها سالم الحتاوي وناجي الحاي وجمال مطر ومرعي الحليان وغيرهم، وهنا لا بد ان نشيد بدور جمعية المسرحيين وتشجيعها في التوجه نحو الكتابة المسرحية وكذلك دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة وتبنيها جوائز عدة ومسابقات في التأليف المسرحي، الا أنني لازلت اطالب مع وجود هذا الكم من الكتاب بأن يتم الوعي بما يطرح من خلال هذه النصوص المسرحية ومدى تفاعلها وتماسها مع المجتمع وقضاياه وهمومه الحياتية.                                                                                                         

نواف يونس - جريدة الخليج - 27/6/2005

الصفحة الرئيسية

 

 
 
Site best view in IE 5.5 or later with 800x600 resolution
Theatrical Association Tel: 9716 5688558 Fax: 9716 5688332 P.O.Box: 1331 Sharjah-UAE
E mail: masrheen@emirates.net.ae