|
الموسم
المسرحي هل يعيد الجمهور إلى مقاعده الشاغرة؟
ظل المسرح الإماراتي لسنوات طويلة
يعاني من انقطاع الوصل بينه وبين الجمهور، والجمهور
الذي نعنيه هنا هو القطاع الواسع من الناس الذين يأتون
للفرجة واكتشاف حساسية مختلفة وشكل آخر للمشاهدة وليس
جمهور أهل الصحافة والمسرح ولجنة التحكيم والضيوف
وأصدقاء المسرحيين! - كما جرت العادة في أيام
الشارقة المسرحية·
البعض كان يلقي اللوم ويحيل أسباب هذا الانقطاع أو هذه
القطيعة إلى الطرح النخبوي الذي انتهجته هذه
المسرحيات، وعلى خطابها الفلسفي العالي ولغتها
الحوارية الفصيحة ولجوئها للأنماط التجريبية
وللاتجاهات الحديثة في المسرح العالمي -أو اقترابها
منه بشكل غير مباشر- حتى لا نكون مبالغين· ورغم أن بعض
هذه المسوغات والأسباب قد تكون مسؤولة بشكل أو بآخر عن
ظاهرة انحسار الجمهور- الذي أصبح بدوره ضحيه لهوسه
الأعمى بالترفيه والأنماط الفنية المسطحة - إلا أن
الغموض الكبير الذي أحاط بهذا الانقطاع أصبح أكثر
إبهاما وضبابية بعد تقديم عدة مسرحيات بسيطة ومتنازلة
ومهجنة (خليط من الكوميديا ودراما المسلسلات الحزينة
مع بعض الاقتباسات الممسوخة من المسرح التجاري
الكويتي) كنوع من التمرد على المسرح النخبوي السائد
أولا ولتصحيح الوضع العام وتوفير عناصر جاذبة ومغرية
وقادرة على إعادة الجمهور للمسرح مرة أخرى ثانيا (هذا
إذا كانت النوايا صافية)، وثالثا: لجني بعض الأرباح
السريعة والعابرة التي يمكن أن تضاف إلى حصيلة مكافآت
التواجد في أيام الشارقة المسرحية! (وهذا ما كشفته
نوايا الغالب الأعم)، ولكن المفاجأة التي حدثت - رغم
النوايا المتضاربة ورغم الحماس الذي أبداه أصحاب هذا
التوجه - كانت متمثلة في الحقيقة الإحصائية التي تقول:
إن جمهور أيام الشارقة المسرحية أو جمهور أصدقاء
المسرح - إذا صحّ التعبير - كانوا أكثر وأكثف حضورا من
الجمهور العام خارج الأيام!
فأين هي العلة بالضبط ؟
تقليد جديد
في المؤتمر الصحفي الذي عقدته جمعية المسرحيين مؤخرا،
أعلن السيد ''عمر غباش'' رئيس مجلس إدارة الجمعية عن
تقليد جديد يحدث ربما للمرة الأولى منذ بدء فعاليات
أيام الشارقة، ويتمثل هذا التقليد في اطلاق الموسم
المسرحي كنشاط مستقل وغير منضوي تحت عباءة الأيام
بكيانها الاعتباري والتراكمي المتعلق بالجوائز ولجان
التحكيم والأنشطة المصاحبة، وبهذا يكون برنامج الموسم
المسرحي الجديد هو النواة وهو خط البداية لتحقيق
الاستمرارية والتواصل سواء لجهة العروض نفسها أو لجهة
تنشيط المسرحيين الذين طالما اتهموا باكتساب شرعية
وجودهم من خلال الأيام فقط، كما أن تهمة الكسل والبيات
الموسمي كانت تلاحقهم دائما من قبل الإعلام ومن قبل
الجمهور الإفتراضي للمسرح والبعيد جغرافيا عن مكان
الحدث، وحتى من قبل المسؤولين والمشرفين على الحركة
المسرحية في الإمارات، فبخلاف المشاركات النوعية في
مهرجانات خليجية وعربية فإن الساحة الداخلية كانت تبحث
طوال السنوات الماضية عن طريقة لملء الفراغ الذي يتركه
انقضاء الأيام أو عن معالجات جديدة يمكن من خلالها ردم
الهوة بين المسرح الحاضر وبين الجمهور الغائب، ورغم
ظهور بعض البشارات المتمثلة في العروض القوية والمميزة
في المسابقة الرسمية إلا أن جهدها الأدائي والجمالي
وعمرها الزمني كانا ينتهيان بمجرد الانتهاء من العرض
نفسه وبمجرد توزيع آخر جائزة في اليوم الختامي، ما
يجعل هذه العروض اليتيمة منذورة للنسيان والتبخر
والانقطاع الحاد الشبيه بالموت الفجائي·
كانت السنوات الماضية مليئة أيضا بالاقتراحات
والتوصيات للقضاء على ظاهرة الضمور المسرحي بعد الأيام
ولكن هذه الاقتراحات كانت تذهب بدورها إلى النسيان
وإلى الملفات المعتمة في الأرشيف، حيث أن الحماس
اللحظي كان يصطدم بمعوقات كثيرة مثل: عدم التفرغ، وقلة
الدعم المادي، وشتات الممثلين بعد الأيام وانشغالهم
بالأعمال التلفزيونية وغيرها من الأسباب التي تعرقل
الحلول النظرية وتجعلها جامدة وسط عزلة الأوراق
والأفكار والمشاريع الذهنية!
انقلاب أدوار
والآن وبعد إعلان التفاصيل الخاصة بالموسم المسرحي
الذي ستبدأ رحلته خلال الأيام القادمة بالمرور على عشر
مدن إماراتية وبثلاثين عرضا لست فرق مسرحية، فإن هذه
الخطوة بحد ذاتها سترمي حجرا في بركة الركود المسرحي
وستنتشل المسرحيين من بياتهم وخمولهم المبرر بسبب غياب
النشاط المسرحــي
المتواصل،
وستحدث نوعا من الانقلاب الإيجابي في الأدوار حين يكون
المسرح هو المقترب والذاهب والمتلمس لنبض الجمهور
المسرحي في منطقته وقريبا من المكان الذي يضمن لهذا
الجمهور تحقيق شروط الفرجة المسرحية ، وهذه المبادرة
المسرحية الجديدة والمبشرة التي لم تكن لتحدث كما أشار
السيد '' مر غباش'' لولا الدعم السخي والكريم من صاحب
السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي وقف
بقوة ومنذ البداية مع هذا المشروع المسرحي الذي يتمنى
جميع أهل المسرح أن يكون مساهما وبنوايا مخلصة هذه
المرة في إعادة الحياة للعروض المميزة والمغيبة قسرا
وللمواهب المسرحية المجمدة رغم حماسها الداخلي
الكبيروالجارف وكذلك في إعادة الجمهور العادي
واللانخبوي الى قاعات المسرح كم كان يحدث في
الثمانينات مثلا·
نتمنى لهذا التوجه ان يحقق ما هو منتظر منه، كما نتمنى
مستقبلا أن تكون هناك بعض العروض الجديدة بموازاة
العروض المنتقاة خلال فعاليات أيام الشارقة المسرحية
وذلك حتى تظل وتيرة التجديد والتنويع متوافرة ولو بشكل
متوازن بين القديم والجديد ، كما نتمنى أخيرا أن يكون
هناك نوع من الرصد الإحصائي والتحليل والمتابعة من قبل
جمعية المسرحيين للوقوف على سلبيات وإيجابيات هذه
التجربة وما يمكن أن تفرزه من ظواهر مسرحية تشرح ولو
قليلا نوعية العلاقة المبهمة بين المسرح الإماراتي
القريب والمتواجد، وبين جمهوره النائي والمفتقد !!·
دنيا -
جريدة الاتحاد - إبراهيم الملا - 10/7/2005
الصفحة الرئيسية
|